الجواب :
الحمد لله
أولا :
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الله عز وجل بقوله ” إن العيش عيش الآخرة
“، أو ” إن الخير خير الآخرة ” في معرض رؤية ما يعجب من الدنيا ، وفي معرض مواجهة
الشدة والمشقة .
وذلك في الأحاديث الآتية :
الحديث الأول : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :
( خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الخَنْدَقِ ،
فَإِذَا المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ ، فَلَمْ
يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ
النَّصَبِ وَالجُوعِ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ ،
فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ ، فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ : نَحْنُ
الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا … عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا )
رواه البخاري (4099) ومسلم (1805) .
الحديث الثاني :
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَقَفَ
بِعَرَفَاتٍ فَلَمَّا قَالَ : ( لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، قَالَ : إِنَّمَا
الْخَيْرُ خَيْرُ الْآخِرَةِ )
رواه ابن الجارود في ” المنتقى ” (ص/126)، وابن خزيمة في ” صحيحه ” (4/260)،
والطبراني في ” المعجم الأوسط ” (5/317)، والحاكم في ” المستدرك ” (1/636)،
والبيهقي في ” السنن الكبرى ” (5/71) جميعهم من طريق حدثنا محبوب بن الحسن ، حدثنا
داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس .
قال الحاكم :
” احتج البخاري بعكرمة ، واحتج مسلم بداود ، وهذا الحديث صحيح ، لم يخرجاه ” انتهى.
وقال الشيخ الألباني رحمه الله :
” هذا إسناد حسن ، رجاله رجال ” الصحيح ” ، وفي محبوب – وهذا لقبه واسمه محمد بن
الحسن بن هلال – خلاف ، والراجح أنه حسن الحديث، وقد روى له البخاري حديثا واحدا ”
انتهى من ” السلسلة الصحيحة ” (5/181)
الحديث الثالث :
عن مجاهد رحمه الله قال :
( كان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر من التلبية : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك
لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك .
قال : حتى إذا كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه ، فزاد فيها :
لبيك إن العيش عيش الآخرة . قال ابن جريج : وحسبت أن ذلك يوم عرفة )
رواه الإمام الشافعي في ” الأم ” (2/170) قال : أخبرنا سعيد بن سالم ، عن ابن جريج
قال : أخبرني حميد الأعرج عن مجاهد به .
ومن طريق الشافعي رواه الإمام البيهقي في ” معرفة السنن والآثار ” (7/136) ، وفي ”
السنن الكبرى ” (7/77)
وهذا حديث مرسل ؛ إسناده حسن ، فيه سعيد بن سالم القداح ، قال عنه ابن معين
والنسائي : ليس به بأس ، وقال أبو حاتم : محله الصدق ، وقال ابن عدي : حسن الحديث
وأحاديثه مستقيمة . ينظر : ” تهذيب التهذيب ” (4/35)
الحديث الرابع :
عن عبد الله بن الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم حج على رحل فاهتز ، فقال : (
لبيك إن العيش عيش الآخرة )
رواه ابن أبي شيبة في ” المصنف ” (3/442)، والإمام أحمد في ” الزهد ” (ص/26) قالا :
أخبرنا وكيع ، عن سفيان ، عن أبي سنان ، عن عبد الله بن الحارث .
وأبو سنان هو ضرار بن مرة ، أجمعوا على أنه ثقة ثبت كما أخبر بذلك النقاد ، ينظر ”
تهذيب التهذيب ” (4/457)
وعبد الله بن الحارث الذي يروي عنه أبو سنان ، هو الزبيدي الكوفي المكتب ، التابعي
وليس الصحابي ، قال فيه ابن معين والنسائي : ثقة ، ولكن حديثه مرسل كحديث مجاهد .
انظر ” تهذيب الكمال ” (14/402).
الحديث الخامس:
من مراسيل عكرمة كالمرسلين السابقين ، عزاه ابن الملقن في ” البدر المنير ” (6/162)
إلى ” سنن سعيد بن منصور “، ولم أجده في المطبوع منه .
ثانيا :
وقد أخذ بهذه الأحاديث والمراسيل أهل العلم ، فقالوا يستحب للمرء إذا رأى ما يعجبه
أن يقول : ” اللهم إن العيش عيش الآخرة “، ليذكر نفسه بغربته في هذه الدنيا ، وأن
الآخرة هي الحياة الحقيقية التي سباه الشيطان عنها لما استزل أبانا آدم عليه السلام
.
قال الإمام النووي رحمه الله :
” إذا رأى شيئا يعجبه قال لبيك إن العيش عيش الآخرة ” انتهى من ” شرح مسلم ” (8/91)
وقد بوب عليه الإمام البيهقي رحمه الله بقوله :
” باب كان إذا رأى شيئا يعجبه قال : لبيك إن العيش عيش الآخرة ” انتهى من ” السنن
الكبرى ” (7/77)
وقال أبو عبد الله المواق المالكي رحمه الله :
” إذا رأى – يعني النبي صلى الله عليه وسلم – شيئا يعجبه يقول : لبيك إن العيش عيش
الآخرة ، فكان يقولها في حال الشدة والرخاء ، وهكذا يقول كل من عرف الآخرة وحقر
الدنيا وذمها ” انتهى من ” التاج والإكليل ” (5/18) .
وأما الشيخ ابن عثيمين رحمه الله فقد ذكر ذلك في أكثر من موضع ، قال :
” الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان إذا رأى شيئاً يعجبه من الدنيا يقول : ( لبيكَ ،
إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة ) لأن الإنسان إذا رأى ما يعجبُه مِن الدُّنيا رُبَّما
يلتفت إليه فيُعرض عن الله ، فيقول : ( لبيك ) استجابةً لله عزَّ وجلَّ ، ثم
يوطِّنُ نفسه فيقول : ( إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة ) فهذا العيش الذي يعجبك عيش زائل
، والعيش حقيقة هو عيش الآخرة ، ولهذا كان من السُّنَّة إذا رأى الإنسانُ ما يعجبُه
في الدُّنيا أن يقول : ( لبيك ، إن العيشَ عيشُ الآخرة ) ” انتهى من ” الشرح الممتع
” (3/124)
وقال رحمه الله أيضا :
” كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يعجبه في الدنيا يقول : ( لبيك ! إن
العيش عيش الآخرة ) لتوجيه النفس إلى إجابة الله ؛ لا إلى إجابة رغبتها ، ثم يقنع
النفس أيضاً : أني ما صددتك وأجبت الرب عزّ وجلّ إلا لخير ؛ لأن العيش عيش الآخرة ؛
والعجيب أن من طلب عيش الآخرة طاب له عيش الدنيا ؛ ومن طلب عيش الدنيا ضاعت عليه
الدنيا والآخرة ؛ قال الله تعالى : ( قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم
يوم القيامة ) الزمر/15 ” انتهى من ” تفسير القاتحة والبقرة ” (3/23) . وينظر أيضا
: ” فتاوى نور على الدرب ” (24/4، ترقيم الشاملة آليا) .
وقد قال الشاعر الزاهد :
لا تركننّ إلى القصور الفاخرة *** واذكر عظامك حين تمسي ناخِرة
وإذا رأيت زخارف الدنيا فقل *** يا رب إنّ العيشَ عيشُ الآخرة
والله أعلم .