الجواب :
الحمد لله :
أولاً :
قد
ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالوضوء من لحم الإبل ، ولم يُبيِّن لنا
الحكمة , ونحن نعلم أن الله سبحانه حكيم عليم , لا يَشرع لعباده إلا ما فيه الخير
والمصلحة لهم في الدنيا والآخرة , ولا ينهاهم إلا عما يضرهم في الدنيا والآخرة .
والواجب على المسلم أن يتقبَّل أوامر الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم ويعمل
بها , وإن لم يَعرف عين الحكمة , كما أن عليه أن ينتهي عما نهى الله عنه ورسوله ,
وإن لم يَعرف عين الحكمة ; لأنه عبدٌ مأمور بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ,
مخلوق لذلك , فعليه الامتثال والتسليم , مع الإيمان بأن الله حكيم عليم , ومتى عَرف
الحكمة فذلك خير إلى خير ” انتهى من “مجموع فتاوى الشيخ ابن باز” (10/157) .
ثانياً :
من
أهل العلم من ذهب إلى أن هذا الحكم تعبدي لا تُعلم علته .
قال
المرداوي رحمه الله : ” الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ : أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ
لَحْمِ الْإِبِلِ تَعَبُّدِيٌّ
،
وَعَلَيْهِ الْأَصْحَاب … وَقِيلَ : هُوَ مُعَلَّلُ” انتهى من ” الإنصاف ”
(1/355) .
ومن
ذهب إلى أن الحكم معلَّل من العلماء ، ذكر لذلك جُملةً من الحِكَم ، منها :
1-
أن الإبل فيها طبيعة شيطانية ، فمن أكلَ منها أَورثه ذلك قوَّةً شيطانيَّةً ، فشُرع
الوضوء لإذهاب هذه القوة .
فعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ ، فَقَالَ : (
لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ ، فَإِنَّهَا مِنْ الشَّيَاطِينِ ) رواه أبو
داود (493) وصححه الألباني في ” الإرواء ” (176) .
وفي
لفظ ابن ماجه : ( 769) : ( فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ ) .
وعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَى ظَهْرِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ ،
فَإِذَا رَكِبْتُمُوهَا فَسَمُّوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ..) رواه أحمد (2667)
وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (2271) .
قال
شيخ الإسلام رحمه الله : ” أشار صلى الله عليه وسلم في الإبل إلى أنها من الشياطين
، يريد والله أعلم أنها من جنس الشياطين ونوعهم ، فإنَّ كلَّ عاتٍ متمرِّدٍ شيطانٌ
من أي الدواب كان ، كالكلب الأسود شيطان ، والإبل شياطين الأنعام ، كما للإنس
شياطين … فلعلَّ الإنسان إذا أكل لحم الإبل أورثته نفاراً وشماساً وحالاً شبيها
بحال الشيطان ، والشيطان خُلق من النار ، وإنما تُطفئ النَّارُ بالماء ، فأُمر
بالوضوء من لحومها كسراً لتلك السَّورة ، وقمعاً لتلك الحال ، وهذا لأنَّ قلبَ
الإنسان وخُلقه يتغير بالمطاعم التي يطعمها ” انتهى من ” شرح عمدة الفقه ” (1/185)
.
وقال أيضا : ” فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في ذلك من إطفاء القوة الشيطانية
ما يزيل المفسدة ، بخلاف من لم يتوضأ منها ، فإن الفساد حاصل معه ، ولهذا يقال : إن
الأعراب بأكلهم لحوم الإبل مع عدم الوضوء منها صار فيهم من الحقد ما صار ” انتهى من
“مجموع الفتاوى” (20/523) .
وقريب منه في “إعلام الموقعين عن رب العالمين” (2 /40) لابن القيم رحمه الله .
2-
أن لحم الإِبل شديدُ التَّأثير على الأعصاب ، فيُهَيِّجها ؛ ولهذا كان الطبُّ
الحديث ينهى الإِنسان العصبي من الإِكثار من لحم الإِبل ، والوُضُوء يسكِّن الأعصاب
ويبرِّدها ، كما أمر النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالوُضُوء عند الغضب ؛ لأجل
تسكينه ” انتهى من ” الشرح الممتع (1/308) بتصرف .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ” وسواء كانت هذه هي الحكمة أم لا ؛ فإِن الحكمة
هي أمر النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ، لكن إِن علمنا الحكمة فهذا فَضْلٌ من الله
وزيادة علم ، وإن لم نعلم فعلينا التَّسليم والانقياد ” انتهى .
والله أعلم
