الجواب :
الحمد لله
من وجب عليه اغتسال طهارة كاغتسال من جنابة أو انتهاء حيض : فلا يحل له التيمم مع
وجود الماء وقدرته على استعماله ، فإذا فُقد الماء فليتيمم كما هو نص القرآن ، وإذا
وَجد الماء ولم يمكنه استعماله لشدة البرد ، وخوفه على نفسه من الضرر أو الهلاك ،
وليس عنده شيء يمكنه تسخينه به : فقد أبيح له التيمم ، وقد جعلت الشريعة حالته هذه
كحال من فقد الماء .
عن عمرو بن العاص قَالَ : ” احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ”
ذَاتِ السُّلَاسِلِ ” فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ
ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ
وَأَنْتَ جُنُبٌ ) فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ
إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ : ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ
كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ” رواه أبو داود ( 334 ) وصححه الألباني في ” صحيح
أبي داود ” .

وأما إذا وجد الماء وأمكنه
استعماله بالتسخين : فلا عذر له بالتيمم ، حتى لو خرج الوقت ، فليغتسل وليصل .

وعليه : فإذا كانت الأخت
السائلة ليس عندها ما تسخن به الماء ، وغلب على ظنها الضرر باستعمال الماء : جاز
لها أن تتيمم وتصلي ، ويكون حكمها كحكم فاقد الماء ولا إعادة عليها ،

وأما إذا كانت تخشى على
نفسها من غسل رأسها فقط : فلها حالان :
الأولى : إذا أمكنها غسل رأسها وتغطيته : فلا عذر لها بالتيمم ، فلتغسله ولتدفئه
بالتغطية ثم تغسل باقي أعضائها .
الثاني : إذا كان لا يمكنها فعل ما سبق ، خشية من ضرر محقق أو غالب : تيممت عن
رأسها ، وغسلت باقي جسدها ، كما ذكرناه في جوابي السؤالين (
129496 ) و (
70507 ) .
قال شمس الحق آبادي – رحمه الله – في شرح حديث عمرو بن العاص – : ” فيه دليل على
جواز التيمم عند شدة البرد من وجهين : الأول : التبسم والاستبشار ، والثاني : عدم
الإنكار ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على باطل ، والتبسم والاستبشار أقوى
دلالة من السكوت على الجواز .
قال الخطابي : فيه من الفقه أنه عليه السلام جعل عدم إمكان استعمال الماء ، كعدم
عين الماء ، وجعله بمنزلة من يخاف العطش ومعه ماء فأبقاه ليشربه وليتيمم به خوف
التلف .
قال ابن رسلان في ” شرح السنن ” : لا يتيمم لشدة البرد مَن أمكنه أن يسخن الماء أو
يستعمله على درجة يأمن الضرر ، مثل أن يغسل عضواً ويستره ، وكلما غسل عضواً ستره
ودفَّاه مِن البرد : لزمه ذلك ، وإن لم يقدر : تيمم وصلَّى في قول أكثر العلماء ”
انتهى من ” عون المعبود ” ( 1 / 365 ) .

وقال الشيخ محمد بن صالح
العثيمين – رحمه الله – : ” فأقره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك
ولم يأمره بالإعادة ؛ لأن مَن خاف الضرر كمن فيه الضرر ، لكن بشرط أن يكون الخوف
غالباً أو قاطعاً ، أما مجرد الوهم فهذا ليس بشيء ” انتهى من ” مجموع فتاوى الشيخ
العثيمين ” ( 12 / 402 ) .
والله أعلم