الجواب :
الحمد لله
فإن الموت مصيبة عظيمة وبلية جسيمة وبه ينقطع العمل وينتهي الأجل ويقدُم المرء على
ربه ، إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر ، وبالموت تسال العبرات وتحزن القلوب وتعم
الأحزان .
قال تعالى : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ
مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) البقرة/
155 ، فنقص الأنفس من جملة الابتلاءات التي تصيب العباد .
وهذا كله من حيث العموم ، وأما ما ورد في السؤال من كون موت الكبار يكون سبباً
في نزول البلاء على الأسرة ، وسبباً في نقص البركة ، فهذا أمر لا دليل عليه بهذا
الإطلاق ، وما زال الناس يموت فيهم الكبير والصغير ، فلو كانت وفاة الكبير سببا في
نقصان البركة ، أو نزول المصائب ، لمحقت البركة من دنيا الناس ، وتوالت على أهل كل
بيت المصيبة بعد الأخرى ، وهذا خلاف ما هو مشاهد ، وخلاف ما جرت به سنة الله في
خلقه ، وكم من كبير مات ، فتنعم أهله من بعده ، إما بمال تركه لهم ، أو نعمة فتحت
عليهم ، أو زواج امرأة ، أو نحو ذلك مما هو مشاهد معلوم .
ثم ما علاقة الأحياء بموت الكبير ، حتى يصيبهم من البلاء ما يذكره هذا القائل ،
سواء أكان الميت صالحا ، أو طالحا ؛ وقد قال تعالى : ( مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا
يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) الإسراء/ 15 .
إنما مصاب الناس حقيقة في موت صاحب العلم الذي يحرم الناس من علمه ، أو صاحب
العبادة والطاعة ، والنفع المتعدي للناس : من جهاد في سبيل الله ، أو أمر بمعروف ،
أو نهي عن منكر ، أو صدقات وزكوات ، أو نحو ذلك ؛ وهذا كله لا تعلق له بصغير أو
كبير ، إنما بحاله ، ونفعه للناس ، وبركته في الأرض ، فلا شك أن موت أمثال هؤلاء :
نقصان خير وبركة ، وثلمة في دين الناس أو دنياهم ، وأعظم الناس مصابا بهم :
المقربون منهم ؛ لكن ذلك ليس معناه أن تنزل عليهم مصيبة أخرى بعده ، إلا أن يعمل من
بعده بعمل يستحقون به ذلك . فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ( إِنَّ اللَّهَ لاَ
يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ
الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ
النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا
وَأَضَلُّوا ) رواه البخاري ( 100 ) ومسلم ( 2673 ) .
إِذَا مَا مَاتَ ذُو عِلْمٍ وَتَقْوَى … فَقَدْ ثَلمَتْ مِنَ الإِسْلامِ
ثُلْمَهْ
وَمَوْتُ الْعَادِلِ الْمَلِكِ الْمُوَلَّى … لِحُكْمِ الْخَلْقِ مَنْقَصَةً
وَقَصْمَهْ
وَمَوْتُ الْعَابِدِ الْمَرْضِيِّ نَقْصٌ … فَفِي مَرْآهُ لِلأَسْرَارِ نَسْمَهْ
وَمَوْتُ الْفَارِسِ الضِّرْغَامِ هَدْمٌ … فَكَمْ شَهَدَتْ لَهُ بِالنَّصْرِ
عَزْمَهْ
وَمَوْتُ فَتَى كَثِيرِ الْجُودِ نَقْصٌ … لأَنَّ بَقَاءَهُ فَضْلٌ وَنِعْمَهْ
فَحَسْبُكَ خَمْسَةٌ يُبْكَى عَلَيْهمْ … وَمَوْتُ الْغَيْرِ تَخْفِيفٌ
وَرَحْمَهْ
والله أعلم
