الجواب :
الحمد لله
تأثير السحر أو المس على الإنسان أمر موجود ولا يُنكر ، ولكن لا ينبغي للمسلم أن
يعلق كل ما يلقاه من مشاكل في حياته على السحر أو المس فيعيش في مجموعة من الأوهام
والخيالات التي تزداد وتستحكم يوما بعد يوم .
فعليه أن ينظر في أمره أولا : فطاعة الله ورسوله هي رأس الأمر كله ، وهي سبب كل خير
، ومعصية الله هي سبب كل شر ، فليحرص المسلم على طاعة الله وليجتنب معصيته ، فإن
الحياة الطيبة إنما تكون للمؤمنين الذين يعملون الصاحات : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً
مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) النحل/97.
وحياة البؤس والشقاء تكون لمن أعرض عن ذكر الله تعالى : ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ
ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً) طه/124.
وكلما كانت المعصية والإعراض أشد كان الضنك والضيق أشد .
ثم يأتي بعد ذلك الأخذ بالأسباب بالبحث عن عمل وعدم التكاسل ، والصبر على بعض ما
يجده الإنسان من مشقة في العمل أو غير ذلك حتى يوفقه الله تعالى ويرزقه من حيث لا
يحتسب .
وكذلك ما ذكرته من كثرة المشاكل بين أفراد الأسرة ، فليرجع كل واحد إلى نفسه ويتحلى
بالأخلاق الفاضلة ، وبمزيد من الصبر والتحمل ومقابلة السيئة بالتي هي أحسن ،
وبالبحث عن أسباب هذه المشاكل ، التي في الغالب تكون أسبابا لا تستحق مناقشتها ،
ولكن إن وجدت أسباب حقيقية فلابد من مناقشتها في جو من الهدوء والمحبة حتى يتم
التغلب عليها ، ولا يمتنع مع كل هذا أن تذهب إلى أحد الرقاة الثقات ليساعدك على
التغلب على هذا السحر – إن كان موجودا – وهذا الذي ننصحك به .
مع العزم الأكيد منك على قراءة سورة البقرة ، مهما كان ذلك الأمر شاقا عليك ، فذلك
جزء هام جدا من العلاج والحل لا ينبغي أن تتهاون أو تقصر فيه ثم تشتكي من السحر
والضيق والمشاكل … إلخ .
وأما حديث السبعين ألفا ، فهؤلاء السبعون ليسوا هم أفضل البشر ، ولا هم أعلى أهل
الجنة درجة ، فقد يحاسب الإنسان ويدخل الجنة ويكون في درجة أعلى من درجة بعض هؤلاء
السبعين كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
وهؤلاء السبعون لم يستحقوا تلك الكرامة ، وهي دخول الجنة بلا حساب ولا عذاب من أجل
ترك طلب الرقية فقط ، بل استحقوا ذلك لكمال توحيدهم وتوكلهم على الله تعالى ، فكان
التوحيد والتوكل الكامل هو منهج حياتهم في أمورهم كلهم .
ومع ذلك ؛ فطلب الرقية ليس محرما ولا مكروها ، بل ذكر بعض أهل العلم في معنى الحديث
: أن الرقية التي لا يطلبونها ، أو لا يفعلونها هنا : هي الرقى الجاهلية ، وعزائم
السحرة ونحوها ، وأما الرقى الشرعية بالقرآن ، أو بذكر الله ؛ فليست منهيا عنها ،
ولو كانت بطلب من المريض .
قال القسطلاني رحمه الله :
” (هم الذين لا يسترقون) ، بسكون الراء ، أي : لا يسترقون مطلقًا ، أو : لا يسترقون
برقى الجاهلية ” انتهى من من “إرشاد الساري” (9/271) .
وينظر : “فتح الباري” لابن حجر (11/410) .

وبناء على هذا القول : فإن
استرقاء المريض ، يعني : طلبه للرقية الشرعية ، لا يخرجه عن حد السبعين ألفا .
فليس من الحكمة أن يترك الإنسان طلب الرقية من أجل أن يكون من السبعين ألفا ثم يقعد
قلقا مضطربا حيران ضيق النفس والصدر ، كثير الشكوك ، قليل التحمل ، فليس كل هذا من
صفات السبعين ألفا ، بل الذي ينبغي في حالتك أن تذهب لأحد الرقاة ، وتجتهد في طاعة
الله تعالى والبعد عن معصيته ، ولعلك ألا تحرم من فضيلة السبعين ألفا .
وإذا قدر أنك لم تكن منهم ؛ ففضل الله واسع ، ولعل الله أن يمن عليك بمنزلة في
الجنة ، تعوضك ما فاتك من هذه الفضيلة الخاصة .

وفقك الله تعالى .
والله أعلم .