الجواب :
الحمد لله
أولا :
جاءت الشريعة الغراء بتشريع تعدد الزوجات ، وأباحته للرجل بشروط سبق بيانها في
الفتوى رقم : (49044) .

ولكن من لم تكن له حاجة
للتعدد ، وكان التعدد سيجلب عليه الخلافات والخصومات , مما يجعل بيته الأول في مهب
الريح ، وعلى حافة التفكك والانهيار ؛ فإن الأوْلى في حقه الاكتفاء بزوجته الأولى ،
لا سيما إذا كان له منها ولد , ويتأكد هذا في زماننا الذي ضعف فيه الدين ، وقل فيه
العقل ، حتى صار التعدد عند كثير من الناس شبيها بالفاحشة والعياذ بالله تعالى .

جاء في ” المجموع شرح المهذب
” (16/137) : ” قال الصيمري : إلا أن المستحب أن لا يزيد على واحدة ، لاسيما في
زماننا هذا . أي : في زمان الصيمري ” انتهى .

فإذا كان هذا في زمان
الصيمري الذي عاش في القرنين الرابع والخامس الهجريين ؛ فكيف بزماننا هذا ، نسأل
الله تعالى العافية والسلامة .

يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه
الله تعالى في ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” (12/13) :
” الاقتصار على الواحدة أسلم ، ولكن مع ذلك إذا كان الإنسان يرى من نفسه أن الواحدة
لا تكفيه ، ولا تعفه ، فإننا نأمره بأن يتزوج ثانية وثالثة ورابعة ، حتى يحصل له
الطمأنينة ، وغض البصر ، وراحة النفس ” انتهى .

ثانيا :
زواج الرجل من زوجة ثانية لا يعد ظلما للأولى ، ولا انتقاصا لحقها ، ما دام أنه
سيعدل بينهما , ولهذا فلا يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق بسبب زواج زوجها من امرأة
أخرى ، ما دام أنه يلتزم العدل ، ويوفيها حقوقها الشرعية .
فإن فعلت ذلك ، فقد عرضت نفسها للوعيد الوارد ، فيما أخرجه أبو داود (2226) ،
والترمذي (1187) ، وابن ماجه (2055) عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيُّمَا امْرَأَةٍ
سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا
رَائِحَةُ الْجَنَّة ) ، وصححه الألباني في ” صحيح سنن أبي داود ” .

وأيضا : لا يجوز للزوجة
الأولى أن تطلب من زوجها تطليق زوجته الثانية ؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا
فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا ) رواه البخاري ( 5152) ، ومسلم ( 1408) .

ولا يجوز للزوجة الأولى ظلم
الثانية ، ولا سبها ، ولا إيذاؤها بأي نوع من أنواع الأذى لمجرد أن زوجها قد تزوج
بها , فكل هذا محرم ؛ فقد قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا
وَإِثْمًا مُبِينًا ) الأحزاب/58 .

وعليه ؛ فإن ما تقوم به
زوجتك الأولى من إهانة الثانية وسبها والتشهير بها أمر محرم ، فعليك أن تذكرها
بالله جل وعلا وتخوفها من أخذه وعقابه , هذا أولا .
ثم عليك في المقام الثاني أن تصبر عليها ، وأن تقدر شعورها كامرأةٍ تكره أن يتزوج
زوجها عليها ، وانصح لها دائما ، وذكرها بأن التعدد من شرع الله الحكيم ، ومن مقتضى
الإيمان بالله أن تتقبل الحكم الشرعي : بطيب نفسٍ ورضى ، وأن تصبر وتحتسب ، على ما
تلاقيه من كرب الغيرة وشدتها .

وعليك أن تكثر من الدعاء
والتضرع إلى الله جل وعلا أن يفرج كربك وأن يصلح لك زوجك .

فإن لم تستطع التوفيق بين
زوجتيك ، وصارت المشاكل تلاحقك باستمرار ، فهذا لا يتحمله الإنسان في الغالب ،
وحينئذ ستكون مضطرا لتطليق إحدى الزوجتين .

والذي يظهر – والله أعلم –
أن تطليق الثانية أقل ضررا ومفسدة ؛ حفاظا على أولادك ، وحرصا على نشأتهم بين
أبويهم , والزوجة الثانية – وإن تضررت بالطلاق – فإن الأمر في حقها يمكن تحمله ؛
لأن الزواج في حقها لم يتجاوز العقد .

فإن طلقت الثانية ، فاحرص
على توفية حقوقها كاملة بحيث يكون هذا جبرا لكسرها ، فلا يجتمع عليها ألم الفراق
والحرمان من الحقوق .
ومن حقوقها عليك : أن توفيها صداقها كاملا ؛ لأنك خلوت بها ، وبالخلوة يثبت للمرأة
كامل الصداق ، ولو يدخل بها زوجها فعلا .