الجواب :
الحمد لله
كل ما أتت به الشريعة الإسلامية – ومنها الصلاة – فهو محقق لمصالح الدنيا والآخرة .
قال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى :
” التكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم ” .
انتهى من ” قواعد الأحكام ” ( 2 / 73 ) .
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى :
” فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ، ومصالح العباد في المعاش والمعاد ، وهي
عدل كلها ، ورحمة كلها ، ومصالح كلها ، وحكمة كلها …
فهي قرة العيون ، وحياة القلوب ، ولذة الأرواح ؛ فهي بها الحياة والغذاء ، والدواء
والنور ، والشفاء والعصمة ، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها ، وحاصل بها ،
وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها ، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم
، وهي العصمة للناس وقوام العالم ، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا ، فإذا
أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا ، وطي العالم : رفع إليه ما بقي من رسومها ؛
فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم ، وقطب رحى الفلاح والسعادة في
الدنيا والآخرة ” .
انتهى من ” اعلام الموقعين ” ( 4 / 337 – 338 ) .
فالصلاة أوجبها الله تعالى
بهذه الصفة المعروفة في نصوص الكتاب والسنة ، محققة لجملة من مصالح العباد الدنيوية
والأخروية .
وبتأمل الإنسان للصلاة
وأحكامها يرى مدى عظمة نفعها للناس في هذه الدنيا ، ومن ذلك :
أولا :
تحقيقها لصحة النفس وسعادتها ، وذلك من وجوه :
الوجه الأول :
تحقيق الحكمة الكبرى من خلق العباد في هذه الحياة الدنيا ، وإنزال الكتب ، وإرسال
الرسل : وهي تحقيق العبادة الخالصة لله جل جلاله ، وشعور العبد أنه مرتبط ـ دائما ـ
وفي كل أوقاته إلى هذه العروة الوثقى ، وأنه : ما ذهب في مذهب ، وراح مراحا ، إلا
وهو عائد إلى ربه ، مقبل عليه .
قال الله تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ *
مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ
هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) الذاريات/56-58 .
وقال تعالى : ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ
الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ
الْقَيِّمَةِ ) البينة/5 .
وقال تعالى : ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ
الْمُسْلِمِينَ) الأنعام/162-163 .
الوجه الثاني :
من المعلوم من نصوص الشرع ، ومن واقع حياة الناس أن أصح الناس نفسا وأعدلهم مزاجا
وأكثرهم سعادة هم الأتقياء الصالحون .
قال الله تعالى : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل/97.
وقال الله تعالى : ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن
نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ
وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ )الجاثية /21 .
وأعظم باب لتحقيق الصلاح والتقوى هو الالتزام بالصلاة وإقامتها حق الإقامة من غير
إخلال بها ، فمن أقامها وحافظ عليها بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها ، فإنه يبعد
نفسه عن سبل المنكر والفحشاء ، ويحقق تقوى الله تعالى ، ويدخل في زمرة عباد الله
الصالحين .
قال الله تعالى : ( اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ
الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ
اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ) العنكبوت /45.
الوجه الثالث :
هذه الحياة لا تخلو من الهموم والأحزان ، ولابدّ للإنسان للخروج من ضغوطها أن يكون
عنده من يشكو له همه وأحزانه ، والمسلم إنما يشكو همه وحزنه إلى الله تعالى .
كما حكى الله تعالى قول يعقوب عليه السلام : ( قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي
وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) يوسف/ 86 .
وأفضل وقت وحال لبث الإنسان أحزانه وهمومه إلى الله تعالى ، هو وقت الصلاة ؛ لأنه
يكون بين يديه والعبد أقرب ما يكون من ربه حال سجوده .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
: ( أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ ، فَأَكْثِرُوا
الدُّعَاءَ ) رواه مسلم ( 482 ) .
فالصلاة تعين المسلم على إزاحة هموم الدنيا وأحزانها .
قال الله تعالى : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا
لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) البقرة /45.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى :
” يقول تعالى آمرا عبيده ، فيما يؤملون من خير الدنيا والآخرة ، بالاستعانة بالصبر
والصلاة …
وأما قوله : ( وَالصَّلَاةِ ) فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر …
عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه نعي إليه أخوه قُثَم وهو في سفر ، فاسترجع ، ثم
تنحى عن الطريق ، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ، ثم قام يمشي إلى راحلته
وهو يقول : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ
إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) ” .
انتهى من ” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 251 – 253 ) .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه ما يهمه فزع إلى الصلاة .
عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: ” كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا
حَزَبَهُ أَمْرٌ ، صَلَّى ” رواه أبوداود ( 1319 ) ، وحسنه الألباني في ” صحيح أبي
داود ” ( 1192 ) .
فالحاصل من كل ما مضى ؛ أن الصلاة تساهم في تقويم نفس المسلم واعتدال مزاجها .
قال الله تعالى : ( إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ
جَزُوعًا ، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ، إِلَّا الْمُصَلِّينَ ، الَّذِينَ
هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ )المعارج / 19 – 23 .
الوجه الرابع ، وهي فوائد
تبعية ، وليست مقصودة بالقصد الأصلي للعبادة :
أن كثيرا من الفوائد والمصالح الجسدية والبدنية : تعود على العبد ، بما يحافظ عليه
من الصلاة في مواقيتها ؛ الصلاة لا تتم إلا بشرط الوضوء ، وطهارة الجسد والثياب
وبقعة الصلاة من النجاسات ، ويندب للمصلي استعمال السواك ، وأن يستعمل أحسن ثيابه ،
وأن يغتسل ويتطيب لصلاة الجمعة ، كما يجب عليه الاغتسال للصلاة إذا أصابته جنابة .
وهذه الأعمال أنفع وقاية للإنسان من الأمراض ، والحكمة الطبية تقول : الوقاية خير
من العلاج .
والصلاة منشطة للجسم مذهبة للخمول خاصة إذا كان المصلي كثير النوافل وكثير المشي
إلى المساجد .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ
أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ ، يَضْرِبُ على كُلَّ عُقْدَةٍ :
عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ . فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ
انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَإِنْ صَلَّى
انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ ، وَإِلَّا أَصْبَحَ
خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ ) رواه البخاري ( 1142 ) ، ومسلم ( 776 ) .
ومن ذلك أيضا : الفوائد
الاجتماعية :
فللصلاة فائدة هامة وعظيمة للمجتمع المسلم وذلك من خلال الصلاة جماعة في المساجد ،
والتعارف والتقارب بين الناس في مثل تلك الأماكن الفاضلة ، وتوحد القلوب على
العبادة ، واستقامتها في صف واحد ، من غير تفريق بين كبير ولا صغير ، ولا غني ولا
فقير .
ثم في طي ذلك من الحكم ، ومنافع العبد ومصالحه ، في دينه ودنياه ، ما لا يبلغ قدره
إلا الحكيم الخبير : (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)
الملك/14 .
والله أعلم .
