الجواب :
الحمد لله
أولاً :
اختلف أهل العلم رحمهم الله في وجوب صلاة الجماعة في المسجد ، على قولين – وهما
روايتان في مذهب أحمد – :
القول الأول : أن صلاة الجماعة واجبة في المسجد .
القول الثاني : أن صلاة الجماعة لا تجب في المسجد ، فلو صلى في بيته جماعة تصح ولا
إثم عليه .
قال المرداوي رحمه الله : ” وله فعلها – أي : صلاة الجماعة – في بيته في أصح
الروايتين ….. ، والرواية الثانية : ليس له فعلها في بيته ” انتهى من ” الإنصاف ”
( 2 / 214 ) .
والقول الأول هو المختار في موقعنا ، وهو اختيار شيخ
الإسلام وتلميذه ابن القيم والشيخ السعدي وابن باز وابن عثيمين رحمة الله على
الجميع .
وينظر للفائدة جواب السؤال رقم : (120)
ففيه تفصيل ، وجواب السؤال رقم : (38881)
.
ثانياً :
استدل أصحاب القول الأول القائلون بوجوب صلاة الجماعة في المسجد بأدلة :
الدليل الأول :
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ
بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ، ثُمَّ
أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ ، وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ
مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ ) رواه البخاري (644) .
وجه الدلالة : أن النبي صلى الله عليه هم بتحريق بيوت المتخلفين ، ولم يستفصل هل
صلوا في بيوتهم جماعة أم لا ؟ .
الدليل الثاني :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ” أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّهُ لَيْسَ لِي
قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ ، فَرَخَّصَ
لَهُ ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ ، فَقَالَ : ( هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ
بِالصَّلَاةِ ، قَالَ نَعَمْ . قَالَ فَأَجِبْ ) رواه مسلم (653) .
وجه الدلالة : لو كانت صلاة الجماعة تجوز في كل مكان ؛ لأذن عليه الصلاة والسلام
للأعمى بالصلاة في بيته جماعة مع أهله ؛ لأنه عليه الصلاة السلام ما خير بين أمرين
، إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً .
قال ابن المنذر رحمه الله : ” فإذا كان الأعمى لا رخصة له ، فالبصير أولى أن لا
تكون له رخصة ” انتهى من ” الأوسط ” ( 4 / 134 ) .
الدليل الثالث :
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ
غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى
بِهِنَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
سُنَنَ الْهُدَى ، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى ، وَلَوْ أَنَّكُمْ
صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ
لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ
لَضَلَلْتُمْ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ
مَعْلُومُ النِّفَاقِ ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ
الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ ) رواه مسلم (654).
ومعنى ( حيث ينادى بهن ) أي : في المساجد .
وفي لفظ آخر عند مسلم (654) ” وَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى ، وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى
الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ ” .
وجه الدلالة :أنه جعل التخلف عن الجماعة في المسجد من علامات المنافقين .
الدليل الرابع :
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مَنْ سَمِعَ
النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ ) رواه ابن ماجه
(793) ، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في ” صحيح ابن ماجه ” .
وينظر جواب السؤال رقم (120)،
ورقم (8918), ورقم (40113)
.
واستدل أصحاب القول الثاني القائلون بعدم وجوب الصلاة
في المسجد :
الدليل الأول :
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (
وجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ) رواه البخاري (335) .
قالوا : فهذا يدل على أن أي بقعة صلى فيها العبد ، فصلاته مقبولة سواء كانت المسجد
أو غيرها .
الدليل الثاني :
عن عائشة رضي الله عنها قالت : ” صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ ، وَهُوَ شَاكٍ فَصَلَّى جَالِسًا ، وَصَلَّى وَرَاءَهُ
قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا ) رواه البخاري (688) .
وجه الدلالة : لو كانت الجماعة واجبة في المسجد لما أذن لهم النبي صلى الله عليه
وسلم بالصلاة خلفه في بيته ، أو لأمرهم بإعادة الصلاة في المسجد .
قال ابن رجب رحمه الله : ” وفيه : أن المريض يصلي بمن دخل عليه للعيادة جماعة ؛
لتحصيل فضل الجماعة .
وقد يستدل بذلك على أن شهود المسجد للجماعة غير واجب على الأعيان ، كما هو رواية عن
أحمد ؛ فإنه لم يأمرهم بإعادة صلاتهم في المسجد ، بل اكتفى منهم بصلاتهم معه في
مشربته ” انتهى من ” فتح الباري لابن رجب ” (2 / 241 ) .
الدليل الثالث :
عن عتبان بن مالك الأنصاري رضي الله عنه قال : ” كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي
سَالِمٍ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ :
إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي ، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ
قَوْمِي ، فَلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا حَتَّى
أَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا ، فَقَالَ : ( أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) ” . رواه
البخاري (840) .
الدليل الرابع :
عن يزيد بن الأسود رضي الله عنه قال : ( شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّتَهُ فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ
الْخَيْفِ ، قَالَ : فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَانْحَرَفَ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ
فِي أُخْرَى الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ ، فَقَالَ : ( عَلَيَّ بِهِمَا
فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا ، فَقَالَ : مَا مَنَعَكُمَا أَنْ
تُصَلِّيَا مَعَنَا ) ، فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّا كُنَّا قَدْ
صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا ، قَالَ : ( فَلَا تَفْعَلَا ، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي
رِحَالِكُمَا ، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ
فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ ) رواه الترمذي (219) ، وصححه الشيخ الألباني رحمه
الله في ” سنن الترمذي ” .
وجه الدلالة : أنهما تركا جماعة المسجد لجماعة الرحل ، ولم ينكر النبي صلى الله
عليه وسلم عليهما ذلك .
وينظر جواب السؤال رقم (178385)
.
والله أعلم
