السؤال :
هل يجوز لفرد أن يتعاطى المخدرات ويصلى بعدها مع العلم أنه يكون واعياً ومستوعباً للأمور ؟

الجواب :

الحمد لله

كانت الخمر مباحة في أول الإسلام ، ثم حرمها الله على المؤمنين إذا قاموا إلى
الصلاة ، ثم حرمها على كل حال ، وفي جميع الأوقات ، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه
أنه قال : “اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً” . فَنَزَلَتْ
الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ (يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) الْآيَةَ ، قَالَ : فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ
عَلَيْهِ . قَالَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً .
فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) ، فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ يُنَادِي : أَلَا
لَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانُ . فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ
فَقَالَ : اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شِفَاءً . فَنَزَلَتْ
هَذِهِ الْآيَةُ : (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) قَالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنَا ”
رواه أبو داود (3670) وصححه الألباني في صحيح أبو داود .

فقول الله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ
وَأَنْتُمْ سُكَارَى) منسوخ بقوله سبحانه :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ
وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) المائدة/90 ، 91 .

انظر : “تفسير الطبري” (4/332) .

قال
السعدي رحمه الله :


وهذه الآية الكريمة منسوخة بتحريم الخمر مطلقا ، فإن الخمر – في أول الأمر- كان غير
محرم ، ثم إن الله تعالى عَرَّض لعباده بتحريمه بقوله : (يَسْأَلُونَكَ عَنْ
الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ
وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) .

ثم
إنه تعالى نهاهم عن الخمر عند حضور الصلاة كما في هذه الآية ، ثم إنه تعالى حَرَّمه
على الإطلاق في جميع الأوقات في قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا
الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ
الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ) الآية” انتهى .

“تفسير السعدي” (ص/ 179).

والخمر أم الخبائث ، ومتناولها متوعد بالعقوبة البليغة ؛ فعَنْ عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً
أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَادَ لَمْ
يَقْبَلْ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ
عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا
، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ لَمْ يَقْبَلْ
اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ، فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتُبْ اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَقَاهُ مِنْ نَهْرِ الْخَبَالِ . قِيلَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ
، وَمَا نَهْرُ الْخَبَالِ ؟ قَالَ : نَهْرٌ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ) رواه
الترمذي (1862) وصححه الألباني في “صحيح الترمذي” .

وحكم المخدرات حكم الخمر ، وقد حرم الله على عباده الخمر ، قليلها وكثيرها .

روى
أبو داود (3681) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ : قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ
فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) وصححه الألباني في “إرواء الغليل” (2375) .

قال
الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

“معنى قوله صلى الله عليه وسلم (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) : أن
الشيء إذا كان لا يسكر إلا الكثير منه فإن القليل الذي لا يسكر منه يكون حراماً ،
مثل لو فرضنا أن هذا الشراب إن شربت منه عشرة قارورات سكرت ، وإن شربت قارورة لم
تسكر ، فإن هذه القارورة وإن لم تسكرك تكون حراماً ، هذا معنى (مَا أَسْكَرَ
كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)” انتهى .

“فتاوى نور على الدرب” (122/17) .

وقال المناوي رحمه الله :

“فالقطرة من المسكر حرام ، وإن انتفى تأثيرها” انتهى .

“فيض القدير” (3/82) .

ولا
شك أن جميع المخدرات خمر ، وحرام ، كالحشيش والأفيون والكوكايين وغيرها ، وقد سبق
بيان ذلك في جواب السؤال رقم : (66227)
.

والحاصل :

أنه
لا يجوز للمسلم أن يشرب الخمر أو يتناول شيئاً من المخدرات مهما كان قليلاً لا يصل
إلى حد الإسكار .

ومن
جملة عقاب من فعل ذلك : أن الله تعالى لا يقبل له صلاة أربعين يوماً عقوبة له على
هذه المعصية القبيحة الكبيرة ، فكيف يمكن لمسلم بعد ذلك أن يتناول الخمر أو
المخدرات ثم يقوم ليقف بين يدي الله تعالى ، ويدعى أنه واعٍ وليس سكران ، وقد علم
أن الله لن يقبل منه هذه الصلاة ، حتى يتوب من شرب الخمر .

نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين .

والله أعلم