إذا دخل المصلي إلى المسجد ، فوجد الجماعة يصلون ، وليس له مكان في الصف ، فهل يصلي وحده خلفهم ، أو يجذب معه أحد المصلين من الصف الذي أمامه ؟.
الحمد لله
سبق أن بينا في السؤال رقم (
41025 ) أنه لا تصح صلاة
المنفرد خلف الصف ، كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، واختيار غير واحد من
المحققين .
وقد سئل فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى عن هذه المسألة
، فأجاب عنها جوابا مفصلا ، قال فيه :
( : الكلام على هذه المسألة في مقامين :
المقام الأول : هل تصح صلاة المنفرد خلف الصف أو لا ؟
والمقام الثاني : إذا قلنا لا تصح ، فوجد الصف تاما ، فماذا يصنع
؟
فأما المقام الأول : فقد اختلف العلماء – رحمهم الله – فيه :
فقال بعضهم : تصح صلاة المنفرد خلف الصف ، لعذر ولغير عذر , لكن
صرح بعضهم بكراهة ذلك لغير عذر , وهذا هو مذهب الأئمة الثلاثة : مالك والشافعي وأبي
حنيفة .
واستدلوا بصحة صلاة المرأة خلف الصف ؛ حيث قالوا : إن الرجال
والنساء سواء في الأحكام الشرعية .
وبأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أبا بكرة حين ركع قبل أن
يدخل الصف أن يعيد الصلاة [ حديث أبي بكرة : رواه البخاري 783 ]
.
وبأن النبي صلى الله عليه وسلم أدار ابن عباس من ورائه في أثناء
الصلاة [ رواه البخاري 117 ومسلم 763 ] ؛ فإذا جاز أن يكون
الانفراد في جزء من الصلاة ، جاز أن يكون في جميعها ؛ إذ لو كان مبطلاً للصلاة لم
يكن بين قليله وكثيره فرق ، كالوقوف قدام الإمام .
وأجابوا عن الأحاديث النافية لصلاة المنفرد خلف الصف بأن المراد
بها نفي الكمال ؛ فهي كقوله صلي الله عليه وسلم : ( لا صلاة بحضرة طعام ) [
مسلم 560 ] ونحوه .
وقال بعض العلماء : إن صلاة المنفرد خلف الصف لا تصح ، وهذا مذهب
الإمام أحمد المشهور عند أصحابه ، وهو من مفرداته . وعنه رواية ثانية تصح وفاقاً
للأئمة الثلاثة .
واستدل أصحاب هذا القول بالأثر والنظر :
أما الأثر : فما رواه الإمام أحمد ( 15862 ) عن علي بن شيبان –
رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف ، فلما انصرف
قال له النبي صلي الله عليه وسلم : ( استقبل صلاتك,فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف)
، وهو حديث حسن ، له شواهد تقتضي صحته.
وأما النظر : فإن الجماعة هي الاجتماع , ويكون بالمكان والأفعال
؛ فالأفعال اجتماع المأمومين على متابعة إمامهم , والمكان اجتماعهم في صفوفهم ؛
وإذا قلنا بجواز انفراد بعضهم عن بعض ، فمتى تكون الهيئة الاجتماعية …
وأجاب هؤلاء عن أدلة المجيزين بأن جواز انفراد المرأة خلف الصفوف
من الرجال ، قد دلت السنة على أنه من خصائصها ؛ كما في حديث أنس قال : ( فقمت أنا
اليتيم وراءه – يعني وراء النبي صلى الله عليه وسلم – والعجوز من ورائنا ) [
رواه البخاري 234 ومسلم 658 ] , ولأنها ليست أهلاً لأن تكون إلى
جانب الرجال.
وأما حديث أبي بكرة فإنه لم ينفرد إلا جزءاً يسيراً وقد قال له
النبي صلي الله عليه وسلم : ( لا تعد ) .
وأما حديث ابن عباس فإنه لم يقف خلف الصف ، بل كان ماراً غير
مستقر .
وأما قولهم : إن المراد بنفي الصلاة نفي الكمال , فدعوى مردودة ؛
لأن الأصل في النفي نفي الوجود , فإن لم يمكن فنفي الصحة , فإن لم يمكن فنفي الكمال
؛ وحديث : ( لا صلاة لمنفرد ) يمكن أن يعود النفي فيه إلى نفي الصحة , فيجب أن يحمل
عليه .
وأما تنظيرهم بحديث : ( لا صلاة بحضرة طعام ) فلا يصح لوجهين :
أحدهما:أن العلة في هذا هو انشغال القلب بحضور الطعام , وانشغال
القلب لا يوجب بطلان الصلاة ، كما في حديث الوسوسة أن الشيطان يأتي إلى المصلي :
اذكر كذا ، اذكر كذا ، لما لم يكن يذكر ؛ فيظل لا يدري كم صلى [ رواه
البخاري 608 ومسلم 389 ] .
الوجه الثاني : أن حديث : ( لا صلاة لمنفرد خلف الصف ) قد صرح أن
المراد به نفي الصحة ؛ حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يستقبل صلاته ، وعلل
ذلك بأنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف .
وفي حديث وابصة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف
الصف وحده ، فأمره أن يعيد صلاته [ رواه أبو داود 682 والترمذي 230 ] .
وبهذا تبين أن القول الراجح وجوب المصافة , وأن من صلى وحده خلف
الصف فصلاته باطلة , وعليه أن يعيدها لتركه واجب المصافة .
ولكن هذا الواجب كغيره من الواجبات ؛ يسقط بفوات محله , أو
بالعجز عنه عجزاً شرعياً , أو عجزا حسياً لقوله تعالى : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
اسْتَطَعْتُم ) التغابن/16 .
وقول النبي صلي الله عليه وسلم : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما
استطعتم ) [ رواه البخاري 7288 ومسلم 1337 ] ، فيجب أن يكون
في الصف حيث وجد مكاناً فيه , فإن لم يجد مكاناً سقط عنه هذا الواجب , وكذلك إن لم
يكن له مكان شرعاً فإنه يسقط عنه الواجب .
مثال الأول : إذا وجد الصف تاماً ، فله أن يصلي وحده ؛ لأنه لا
واجب مع العجز .
ومثال الثاني : إذا كانت امرأة مع رجال فإنها تصلي وحدها خلف
الصف ، كما ثبتت به السنة . وهذا الذي جاءت به السنة يمكن أن يكون أصلاً يقاس عليه
صلاة الرجل وحده خلف الصف إذا لم يجد مكاناً فيه ؛ لأن التعذر الحسي كالتعذر الشرعي
.
ويوضح ذلك : أن الرجل إذا جاء ووجد الصف تاماً فإما أن يتقدم
ويقف بجنب الإمام , أو يجذب واحداً من الصف ليقف معه , أو يصلي وحده منفرداً عن
الجماعة ، أو يصلي مع الجماعة خلف الصف .
فأما تقدمه إلى جنب الإمام ففيه :
1- مخالفة السنة بإفراد الإمام وحده ليتميز عن المأمومين بتقدمه
عليهم مكاناً وأفعالاً . ولا يرد على هذا وقوف النبي صلي الله عليه وسلم إلى جانب
أبي بكر [ رواه مسلم 413 ] ؛ لأن الذي جاء ووقف هو الإمام ،
وقف إلى جانب نائبه .وأيضاً فإن أبا بكر لا يمكنه الرجوع إلى الصف . وأيضاً فإن من
مصلحة الجماعة أن يكون إلى جنب النبي ليبلغهم تكبيره..
2- وفي تقدم المأموم الذي وجد الصف تاماً إلى جنب الإمام ، إيذاء
للجماعة الذين سيتخطاهم ليصل إلى الإمام .
3- وفيه تفويت للمصافة لمن جاء بعده ؛ فإنه لو قام وحده وجاء آخر
صار صفاً .
وأما جذبه واحداً من المأمومين ليقف معه ففيه ثلاثة محاذير :
أحدها : فتح فرجة في الصف , والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر
بالمراصة ونهى أن ندع فرجات للشيطان [ أحمد 5691 وأبو داود 666 ، وصححه
الألباني في الصحيحة ] .
الثاني : أنه ظلم للمجذوب بنقله من المكان الفاضل إلى المكان
المفضول .
الثالث : أنه يشوش عليه صلاته , وربما ينازعه ويشاتمه إذا فرغ
منها .
ولا يرد على هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمن
رآه يصلي وحده خلف الصف :
( ألا دخلت معهم أو اجتررت أحداً ) فإنه حديث ضعيف لا تقوم به
حجة [ رواه الطبراني في الأوسط 8/374 وقال الهيثمي : ضعيف جدا )
.
وأما تركه الجماعة وصلاته منفرداً ، فهو ترك لواجب الجماعة مع
القدرة عليه ، فيكون وقوعاً في المعصية .
وأما صلاته مع الجماعة خلف الصف فهو قيام بالواجب عليه بقدر
المستطاع ؛ فإن المصلي مع الجماعة يلزمه أمران :
أحدهما : الصلاة في الجماعة .
والثاني : القيام في الصف معهم , فإذا تعذر أحدهما وجب الآخر .
فإن قيل : إن قوله صلي الله عليه وسلم ( لا صلاة لمنفرد خلف الصف
) عام ليس فيه تفصيل بين تمام , وعدم تمامه .
فالجواب : أن هذا دال على بطلان الصلاة للمنفرد لتركه واجب
المصافة ,فإذا لم يقدر عليه سقط عنه , والنبي صلي الله عليه وسلم لا يمكن أن يبطل
صلاته لتركه ما لا قدرة له عليه .
ونظير هذا الحديث قوله صلي الله عليه وسلم : ( لا صلاة لمن لم
يقرأ بأم القرآن ) [ رواه البخاري 756 ومسلم 394 ] , وقوله
صلي الله عليه وسلم : (لا صلاة لمن لا وضوء له) [ رواه الإمام أحمد 9137
وأبو داود 101 وابن ماجة 399 ] إن صح هذا , فإن من لم يقدر على
الفاتحة أو على الوضوء صلى بدونهما وأجزأته صلاته ، لكنه يقرأ من القرآن بقدر
الفاتحة , أو يذكر الله إن لم يقدر على شيء من القرآن ، ويتيمم إن عجز عن الوضوء .
وخلاصة الجواب : أن المصافة واجبة , وأن من جاء وقد كمل الصف
فإنه يصلي مع الجماعة خلف الصف , ولا يتقدم إلى الإمام ليصلي إلى جنبه , ولا بجذب
أحداً من الصف ليقف معه , ولا يترك صلاة الجماعة .
وجواز صلاته الجماعة منفرداً عن الصف للعذر هو اختيار شيخ
الإسلام ابن تيميه , وشيخنا عبد الرحمن سعدي ، وبعض قول من يرى الجواز مطلقا ً.
والحمد لله رب العالمين .
