الجواب :
الحمد لله
أولا :
الزنديق في كلام الفقهاء : هو مرادف للمنافق وهو من يعتقد معتقدات إلحادية أو كفرية
، ويخفيها ، ولا يظهرها إلّا لمن هو مشارك له في هذه العقائد .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :
” الزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء : هو المنافق الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه
وسلم ؛ وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره سواء أبطن دينا من الأديان : كدين اليهود
والنصارى أو غيرهم ، أو كان معطلا جاحدا للصانع والمعاد والأعمال الصالحة .
ومن الناس من يقول : ” الزنديق ” هو الجاحد المعطل . وهذا يسمى الزنديق في اصطلاح
كثير من أهل الكلام والعامة ، ونقلة مقالات الناس ؛ ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء
في حكمه : هو الأول ؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر ، والمرتد
وغير المرتد ، ومن أظهر ذلك أو أسره ” انتهى من ” مجموع الفتاوى ” (7 / 472) .

والدروز وصفوا بالزندقة لأنّ
لهم عقائد إلحادية يخفونها ويسرونها فيما بينهم ، وقد يتظاهرون بالتشيّع أو
بالإسلام عند ضعف شوكتهم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عنهم :
” وقولهم مركب من قول الفلاسفة والمجوس ، ويظهرون التشيع نفاقا ” .
انتهى من ” مجموع الفتاوى ” (35 / 162) .
وقال ابن عابدين رحمه الله تعالى أثناء كلامه عن أحكام الزندقة :
” يعلم مما هنا : حكم الدروز والتيامنة ، فإنهم في البلاد الشامية يظهرون الإسلام
والصوم والصلاة ، مع أنهم يعتقدون تناسخ الأرواح ، وحلّ الخمر والزنا ، وأن
الألوهية تظهر في شخص بعد شخص …..” انتهى من ” ردّ المحتار على الدّر المختار ”
(4 / 429) .

ثانيا :
قبول توبة الزنديق لها معنيان :
المعنى الأول : قبول توبة الزنديق ؛ بمعنى عدم معاقبته في الدنيا بالقتل .
فهذا له حالتان :
الحالة الأولى : أن يمسكه ولي الأمر قبل توبته ، فيصرح بالتوبة بعد القدرة عليه :

فهذه الحالة محل خلاف بين أهل العلم ، والأشهر في ذلك قولان :
القول الأول : أنه يقتل ، ولا تقبل توبته .
وعمدة أصحاب هذا القول أن إظهاره للتوبة بعد القدرة عليه : لا يفيد أنه تاب حقيقة ،
لأن الأصل فيه أنه يخفي عقيدته ولا يظهرها ، فتوبته هذه لا يوثق بها ، كما أن قبول
توبته يجعله يأمن القتل ، وهذا يدفعه للاستمرار في زندقته ، وكلما قبض عليه أظهر
التوبة .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى :
” … فالكافر كان معلنا لكفره غير مستتر به ولا مخف له ، فإذا أسلم تيقنا أنه أتى
بالإسلام رغبة فيه ، لا خوفا من القتل .
والزنديق بالعكس : فإنه كان مخفيا لكفره ، مستترا به ، فلم نؤاخذه بما في قلبه إذا
لم يظهر عليه ، فإذا ظهر على لسانه وآخذناه به ، فإذا رجع عنه ، لم يرجع عن أمر كان
مظهرا له غير خائف من إظهاره ، وإنما رجع خوفا من القتل …
وأيضا : فإن الزنديق هذا دأبه دائما ، فلو قبلت توبته ، لكان تسليطا له على بقاء
نفسه بالزندقة والإلحاد ، وكلما قُدِر عليه ، أظهر الإسلام وعاد إلى ما كان عليه ،
ولا سيما وقد علم أنه آمن بإظهار الإسلام من القتل ، فلا يزعه خوفه من المجاهرة
بالزندقة ، والطعن في الدين ، ومسبة الله ورسوله ، فلا ينكف عدوانه عن الإسلام إلا
بقتله …
وهذا مذهب أهل المدينة ، ومالك وأصحابه ، والليث بن سعد ، وهو المنصور من الروايتين
عن أبي حنيفة ، وهو إحدى الروايات عن أحمد ، نصرها كثير من أصحابه ، بل هي أنص
الروايات عنه ” انتهى من ” اعلام الموقعين ” (4 / 547 – 549) .

القول الثاني : قبول توبته ،
فإذا أظهر التوبة رفع القتل عنه .
وعمدة أصحاب هذا القول هو عموم النصوص الشرعية التي تفيد قبول توبة الكافر ولو ظُنّ
أنه أسلم خوفا من القتل ، ومن ذلك : عدم قتل النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين
الذين أظهروا الإسلام ، وقبوله لعلانيتهم .
قال ابن المنذر رحمه الله تعالى :
” واختلفوا في الزنديق يُظهر عليه ، هل يستتاب أم يقتل ، ولا يقبل منه الرجوع ؟
فقالت طائفة : تقبل توبته إن تاب ، ويقتل إن لم يتب ، يُروى هذا القول عن علي بن
أبي طالب ، وبه قال عبيد الله بن الحسن ، والشافعي .
قال أبو بكر – أي ابن المنذر – : كما قال الشافعي أقول . وقد احتج بقول الله تعالى
في المنافقين : ( اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
) قال : وهذا يدل على أن إظهار الأيمان جُنّة – أي وقاية – من القتل .
وقال المقداد لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرأيت إن اختلفت أنا ورجل من
المشركين ضربتين بالسيف ، فضربني فقطع يدي ، فلما أهويت إليه لأقتله قال : لا إله
الله ، أأقتله أم أدعه ؟ قال : بل دعه ) ” انتهى من ” الإشراف على مذاهب العلماء ”
(8 / 64) .

الحالة الثانية : أن يبادر
الزنديق بالتوبة طوعا قبل القدرة عليه .
فالظاهر أنه تقبل توبته عند أهل العلم فلا يقتل .
قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله تعالى :
” كتب الخلافيات لم يذكر أربابها أن أصحاب القول الأول : لا يقبلون توبة الزنديق
إذا تاب قبل القدرة عليه . وإنما يحكون الخلاف في (استتابته بعد القدرة عليه) . وقد
استقصى الحافظ ابن حجر الخلاف في المسألة ولم يذكر ذلك عن أي من المخالفين ” .
انتهى من ” الحدود والتعزيرات عند ابن القيم ” (ص 454) .

بل نص ابن القطان على عدم
وجود خلاف في هذا ؛ حيث قال رحمه الله تعالى :
” وإذا ارتد المسلم ولحق بدار الحرب ، وراجع الإسلام : قبلت توبته .
وكذلك الزنديق ؛ ولا أعلم بين الناس في ذلك خلافًا ” .
انتهى من ” الإقناع في مسائل الإجماع ” (2 / 271) .

المعنى الثاني : قبول توبة
الزنديق عند الله تعالى .
والأدلة الشرعية صريحة في قبول توبة الكفار حتى وإن كانوا منافقين أو مرتدين ؛ ومن
ذلك :
قول الله تعالى :
( كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ
الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ ، أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ
وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ
عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ
ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) آل عمران /86 – 89 .
وقال الله تعالى :
( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ
لَهُمْ نَصِيرًا ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ
وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ
اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ) النساء /145 – 146 .
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى :
” فالخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم – أي الزنديق ومن تكررت ردته – في الظاهر من
أحكام الدنيا ، من ترك قتلهم ، وثبوت أحكام الإسلام في حقهم ؛ وأما قبول الله تعالى
لها في الباطن ، وغفرانه لمن تاب وأقلع باطنا وظاهرا ، فلا خلاف فيه ” .
انتهى من ” المغني ” (12 / 271) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :
” وأما الذنوب التي يطلق الفقهاء فيها نفي قبول التوبة ، مثل قول أكثرهم : لا تقبل
توبة الزنديق ، وهو المنافق … فهذا إنما يريدون به رفع العقوبة المشروعة عنهم ،
أي : لا تقبل توبتهم بحيث يُخَلَّى بلا عقوبة ، بل يعاقَب : إما لأن توبته غير
معلومة الصحة ، بل يظن به الكذب فيها ، وإما لأن رفع العقوبة بذلك يفضي إلى انتهاك
المحارم ، وسد باب العقوبة على الجرائم ، ولا يريدون بذلك : أن من تاب من هؤلاء
توبة صحيحة ، فإن الله لا يقبل توبته في الباطن ؛ إذ ليس هذا قول أحد من أئمة
الفقهاء . بل هذه التوبة لا تمنع إلا إذا عاين أمر الآخرة ” .
انتهى من ” مجموع الفتاوى ” (18 / 189 – 190) .

والخلاصة : أن المنافق إذا
تاب من النفاق توبة نصوحا : فإن توبته مقبولة عند الله تعالى ، سواء كان ذلك قبل
القدرة عليه ، أم بعدها .
أما قبول توبته في الدنيا ، فإن كان توبته قبل القدرة عليه : لم يعاقب ، وسقطت عنه
العقوبة ، وهي القتل .
وإن كانت بعد القدرة عليه : فأكثر العلماء على أنه يقتل ، ولا تقبل توبته .

والله أعلم .