الجواب :
الحمد لله
أولأ :
عقوق الوالدين من كبائر الذنوب .
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا
أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ؟ ) ، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ،
قَالَ: ( الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ) ، وَكَانَ
مُتَّكِئاً فَجَلَسَ فَقَالَ : ( أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ ،
أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ ) فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى
قُلْتُ لَا يَسْكُتُ ” روى البخاري (5976) ، ومسلم (87) .
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ : ( الْكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ
الْوَالِدَيْنِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ ) رواه البخاري
(6675) .
والعقوق هو ما يصدر من الابن – من غير مبرر شرعي – من تصرفات أو أقوال تؤذي والديه
.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى : ” والمراد به – أي العقوق – صدور ما يتأذى به
الوالد من ولده من قول أو فعل إلا في شرك أو معصية ؛ مالم يتعنت الوالد ” .
انتهى من ” فتح الباري ” (10 / 406) .
ثانيا :
من مهمات عقيدة الإسلام التي على المسلم أن يفقهها وأن يؤمن بها ويعمل بمقتضاها ؛
أنّ أي ذنب مهما عظم يمكن التوبة منه .
قال الله تعالى :
( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن
رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر /53.
فما على هذا المسيء إلى والديه إلّا المبادرة إلى التوبة ؛ فقد وعد الله تعالى
بقبول توبة التائب.
قال الله تعالى :
( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ
السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) الشورى / 25 .
وحتى تكون توبته صادقة مقبولة ، لا بدّ من تحقيق شروطها .
قال النووي رحمه الله تعالى :
” قال العلماء : التوبة واجبة من كل ذنب ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله
تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط :
أحدها : أن يقلع عن المعصية .
والثاني : أن يندم على فعلها .
والثالث : أن يعزم أن لا يعود إليها أبدا .
فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته ” انتهى من ” رياض الصالحين ” ( ص 14 ) .
لكن قد يُسْتشكل هذا بأن بعض هذه الشروط لا يمكن تحقيقها بعد موت الوالدين .
فالجواب عن هذا بأمرين :
الأمر الأول : أن في مثل هذه الحالة : الندم وحده توبة .
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ ، قَالَ: ” دَخَلْتُ مَعَ أَبِي
عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( النَّدَمُ تَوْبَةٌ ) رواه ابن ماجه (4252) ،
وأحمد (6 / 37) ، وصححه الألباني في ” صحيح سنن ابن ماجه ” .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى :
” ومن أحكامها – أي التوبة – أن العاصي إذا حيل بينه وبين أسباب المعصية ، وعجز
عنها ، بحيث يتعذر وقوعها منه ، هل تصح توبته ؟ وهذا كالكاذب والقاذف ، وشاهد الزور
إذا قطع لسانه … ومن وصل إلى حد بطلت معه دواعيه إلى معصية كان يرتكبها.
ففي هذا قولان للناس : …
والقول الثاني – وهو الصواب – : أن توبته صحيحة ممكنة ؛ بل واقعة . فإن أركان
التوبة مجتمعة فيه ، والمقدور له منها الندم ، وفي المسند مرفوعا : ( الندم توبة )
، فإذا تحقق ندمه على الذنب ، ولومه نفسه عليه ، فهذه توبة . وكيف يصح أن تسلب
التوبة عنه ، مع شدة ندمه على الذنب ، ولومه نفسه عليه ؟ ” انتهى من “مدارج
السالكين ” (1 / 741 – 746) .
وهذا قول جماهير العلماء ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :
” توبة العاجز عن الفعل ؛ كتوبة المجبوب عن الزنا ، وتوبة الأقطع العاجز عن السرقة
، ونحوه من العجز؛ فإنها توبة صحيحة عند جماهير العلماء من أهل السنة وغيرهم ” .
انتهى من ” مجموع الفتاوى ” (10 / 746) .
الأمر الثاني : من رحمة الله بالمسلمين أن جعل باب أجر بر الوالدين لا يغلق
بوفاتهما ، فيمكن للولد المقصّر أن يجتهد فيما يمكنه فعله من هذا البر .
فمن أوجه البر بعد وفاتهما :
1- كثرة الدعاء لهما .
قال الله تعالى :
( وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) الإسراء/24.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
قَالَ: ( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ
ثَلَاثَةٍ : إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ
وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ) رواه مسلم (1631) .
فهذا الدعاء من أعظم الإحسان إلى الوالدين .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ الرَّجُلَ
لَتُرْفَعُ دَرَجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ : أَنَّى هَذَا ؟ فَيُقَالُ:
بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ ) رواه ابن ماجه (3660) ، وحسّنه الألباني في ”
السلسلة الصحيحة ” (4 / 129) .
2- القيام بأعمال صالحة يلحقهما ثوابها :
كالصدقة عنهما ، راجع للأهمية الفتوى رقم : (218872) .
وأداء الحج والعمرة عنهما ، ولمعرفة ضوابط وأحكام الحج عن الغير راجع الفتوى رقم :
(111794) .
وإذا كانا قد تركا ديونا أو أمانات : فليجتهد هو في قضائها نيابة عنهما، أو إذا
صدرت منهما مظالم تجاه الناس ، أن يطلب من المظلومين أن يعفوا عنهما ويسترضيهم .
3- إكرام أصدقائهما وخلّانهما .
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : ” أَنَّهُ كَانَ إِذَا
خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ ، كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ ، إِذَا مَلَّ
رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ ، وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ ، فَبَيْنَا هُوَ
يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ، إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ ، فَقَالَ:
أَلَسْتَ ابْنَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ ؟ قَالَ: بَلَى ، فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ ،
وَقَالَ : ارْكَبْ هَذَا . وَالْعِمَامَةَ ، قَالَ: اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ ،
فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ غَفَرَ اللهُ لَكَ ! أَعْطَيْتَ هَذَا
الْأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ ، وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ
بِهَا رَأْسَكَ ! فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ
أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ ) وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ ” رواه
مسلم (2552) .
والله أعلم .
