الجواب :
الحمد لله
الفتوى في هذه المسألة لا بد أن تتوسط بين الإباحة الأصلية تبعا للبراءة الأولى ،
وبين تقدير واقع الحال واعتبار المآل الذي تتهاوى إليه عزائم الناس في هذا الشأن ،
كي نتحرى الصواب والوسط الذي يجلب الخير للناس ، ويرفع عنهم الحرج في الوقت نفسه ،
والله عز وجل يقول : ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ
وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ) المائدة/6.
وواقع الحال واعتبار المآل في إقامة مآدب أو ولائم مشجعي الفرق الرياضية يحكي عن
نفسه كثيرا من الأخطاء والمخالفات ، أو على الأقل كثيرا من مساوئ العادات ، ومن ذلك
:
أولا
ضياع الأموال في غير طائل ، والله عز وجل سائلنا عن هذا النعيم ، وعن نعمه الكثيرة
، وسائلنا عن أموالنا من أين اكتسبت وفيم أنفقت ، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه :
” التبذير الإنفاق في غير حق ” رواه الطبراني في ” المعجم الكبير ” (9/206)، ولا
نظن أن أحدا من أصحاب هذه الولائم يدعي أنها ولائم حق ، ومآدب صدق ، بل يعلمون أنها
زخرف زائل ، وأسباب لفوات الأعمار في غير طائل . وانظر جواب رقم : (137954)
.
ثانيا
بمثل هذه المأدبات تمتلئ القلوب تعصبا مقيتا ، وتوغر صدور المشجعين بعضهم على بعض ،
فتزيد الفرقة بين الناس ، وتتفرق صفوف الشعوب ، فتزداد وهنا على وهنها ، والله عز
وجل يقول : ( وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) الأنفال/46.
ثالثا
أما ضياع الأعمار ، وفوات الطاقات العقلية والبدنية على أصحاب تلك الهموم – هموم
الفرق الرياضية – فذلك حديث ملؤه الأسى والحزن ، ونحن نرتقب في أمتنا حضارة قادمة ،
ونورا ساطعا يلوح في الأفق ، ولكن حين نرى مثل تلك الممارسات ندرك أن فجرنا ما زال
بعيدا ، وأن مجتمعاتنا لم تبلغ الشأن اللازم لتحقيق نهضتها الحقيقية ، ولن تبلغ ذلك
الشأن حتى تجتمع طاقات الشباب في العمل والبناء ، فتخلفنا عن ركب الأمم يقتضي منا
مضاعفة أوقات الأعمال ، ومضاعفة عمليات البناء على جميع الأصعدة أضعافا كثيرة .
ونحن لا نقول ذلك تعميما على جميع المشجعين ولا تحريما لجميع ممارساتهم ، ولكنها
محاذير نخشى أن يقع فيها هؤلاء ، وأن تأخذهم غفلتهم نحو المجهول ، والتفاتة واحدة
منهم إلى الوراء كفيلة بمعرفة قدر ما ضاع وفات في غير حق ، وقد قال عليه الصلاة
والسلام : ( مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ ، وَلَمْ
يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً ، فَإِنْ شَاءَ
عَذَّبَهُمْ ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ ) .
رواه الترمذي في السنن (رقم/3380) وبوب عليه بقوله : ” باب في القوم يجلسون ولا
يذكرون الله “، وقال عقب الرواية : ” هذا حديث حسن ، وقد روي من غير وجه عن أبي
هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعنى قوله : ( ترة ) : يعني
حسرة وندامة ” انتهى .
وصححه الألباني في ” مشكاة المصابيح ” برقم (2274) .
وإذا كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول : ( شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَةِ ،
يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ ، وَيُتْرَكُ الفُقَرَاءُ ) رواه البخاري (5177) ومسلم
(1432) ، فمن باب أولى أن يكون شر الطعام هو ما يدعى إليه لعصبية مقيتة ، وفرحة
متوهمة ، وقد نص الفقهاء على كراهة حضور الولائم التي يقيمها أصحابها ” طلبا
للمباهاة والفخر ” ، انظر ” نهاية المحتاج ” (6/370)، وجاء في ” كشاف القناع ”
(5/166): “منع ابن الجوزي من إجابة فاسق ومتفاخر بها أو فيها ، وكذا إن كان فيها
مضحك بفحش أو كذب ؛ لأن ذلك إقرار على معصية ، وإن علم حضور الأرذال … إن كانوا
يتكلمون بكلام محرم فقد اشتملت الدعوة على محرم ، وإن كان مكروها فقد اشتملت على
مكروه ” انتهى باختصار.
والخلاصة : أننا نرى كراهة إقامة مثل تلك الولائم ، وكراهة حضورها أيضا ، وقد سبق
في موقعنا نشر مجموعة من الفتاوى التي تتناول قضية التشجيع الرياضي وما فيه من
ممارسات وعادات سيئة ، يمكن مراجعتها في الأرقام الآتية : (75644)
، (82718) ، (84291)
، (22636) ، (102150)
.
والله أعلم
