الجواب :
الحمد لله
أولا :
روى مسلم (1886) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ
ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ ) .
وروى مسلم (114) عن ابن عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ :
” لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : فُلَانٌ شَهِيدٌ فُلَانٌ شَهِيدٌ ، حَتَّى
مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا فُلَانٌ شَهِيدٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَلَّا ، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي
بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ ) ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ! اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ
أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ ) قَالَ : فَخَرَجْتُ
فَنَادَيْتُ : أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ ” .
فهذان حديثان صحيحان ، رواهما مسلم رحمه الله في صحيحه ، وليس بينهما بحمد الله
اختلاف : فالحديث الأول يدل على أن الشهيد يغفر له كل ذنب عمله فيما بينه وبين ربه
، إلا الدين ؛ فإنه لا يغفر له ؛ لتعلقه بحقوق الآدميين ، فحقوق الآدميين لا تكفرها
الشهادة .
قال النووي رحمه الله :
” قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِلَّا الدَّيْن ) فِيهِ تَنْبِيه
عَلَى جَمِيع حُقُوق الْآدَمِيِّينَ , وَأَنَّ الْجِهَاد وَالشَّهَادَة وَغَيْرهمَا
مِنْ أَعْمَال الْبِرّ لَا يُكَفِّر حُقُوق الْآدَمِيِّينَ , وَإِنَّمَا يُكَفِّر
حُقُوق اللَّه تَعَالَى ” انتهى من ” شرح مسلم ” (29/13).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله : ” وَأَمَّا الْحَدِيث الْآخَر الصَّحِيح ” إِنَّ
الشَّهِيد يُغْفَر لَهُ كُلّ شَيْء إِلَّا الدَّيْن ” فَإِنَّهُ يُسْتَفَاد مِنْهُ
أَنَّ الشَّهَادَة لَا تُكَفِّر التَّبِعَات , وَحُصُول التَّبِعَات لَا يَمْنَع
حُصُول دَرَجَة الشَّهَادَة , وَلَيْسَ لِلشَّهَادَةِ مَعْنًى إِلَّا أَنَّ اللَّه
يُثِيب مَنْ حَصَلَتْ لَهُ ثَوَابًا مَخْصُوصًا ، وَيُكْرِمهُ كَرَامَة زَائِدَة ,
وَقَدْ بَيَّنَ الْحَدِيث أَنَّ اللَّه يَتَجَاوَز عَنْهُ مَا عَدَا التَّبِعَات ,
فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ لِلشَّهِيدِ أَعْمَالًا صَالِحَة وَقَدْ كَفَّرَتْ الشَّهَادَة
أَعْمَاله السَّيِّئَة غَيْر التَّبِعَات ، فَإِنَّ أَعْمَاله الصَّالِحَة
تَنْفَعهُ فِي مُوَازَنَة مَا عَلَيْهِ مِنْ التَّبِعَات ، وَتَبْقَى لَهُ دَرَجَة
الشَّهَادَة خَالِصَة , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَال صَالِحَة فَهُوَ فِي
الْمَشِيئَة , وَاَللَّه أَعْلَم ” انتهى من ” فتح الباري ” (193/10) .
وقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ : ” أَرَادَ بِالدَّيْنِ هُنَا مَا يَتَعَلَّقُ
بِذِمَّتِهِ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ إِذْ لَيْسَ المدين أَحَقَّ بِالْوَعِيدِ
وَالْمُطَالَبَةِ مِنْهُ مِنْ الْجَانِي وَالْغَاصِبِ وَالْخَائِنِ وَالسَّارِقِ ”
انتهى من “تحفة الأحوذي” (302/5)، بتصرف يسير .
ثانيا :
الغنيمة حق من حقوق الآدميين ، بل هي من أعظم حقوق الآدميين ؛ لتعلقها بالمال العام
، قال الحجاوي في “الزاد” (ص: 97) :
” وتُملك الغنيمة بالاستيلاء عليها في دار الحرب ، وهي لمن شهد الوقعة من أهل
القتال ، فيخرج الخمس ، ثم يقسم باقي الغنيمة : للراجل سهم وللفارس ثلاثة أسهم :
سهم له وسهمان لفرسه ، ويشارك الجيش سراياه فيما غنمت ، ويشاركونه فيما غنم ” انتهى
.
والغلول : السرقة من الغنيمة
قبل القسمة ، قال النووي رحمه الله : ” ( الْغُلُول ) الْخِيَانَة , وَأَصْله
السَّرِقَة مِنْ مَال الْغَنِيمَة قَبْل الْقِسْمَة ” انتهى .
فالشهادة لا تكفر الغلول ؛ لأن الشهادة لا تكفر حقوق الآدميين ، كما سبق .
فقول السائل : ” أوليس
الغلول ذنباً غير الدين ” ؟ فيقال : الغلول ذنب متعلق بحقوق الآدميين ، والمقصود
بالديْن في الحديث حقوق الآدميين ، لا خصوص الدين .
وذهب بعض أهل العلم إلى أن
الغلول يمنع من إطلاق الشهادة على الغالّ ؛ فلا يستحق بذلك غفران كل الذنوب .
قال النووي رحمه الله :
” الْغُلُول يَمْنَع مِنْ إِطْلَاق اِسْم الشَّهَادَة عَلَى مَنْ غَلَّ إِذَا
قُتِلَ ” انتهى .
قال القاري رحمه الله :
” وَفِيهِ بَحْثٌ ؛ إِذْ لَا دَلَالَةَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى نَفْيِ شَهَادَتِهِ ،
كَيْفَ وَقَدْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَخِدْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهِيدِ ألّا يَكُونُ
عَلَيْهِ ذَنَبٌ أَوْ دَيْنٌ بِالْإِجْمَاعِ ” انتهى من “مرقاة المفاتيح” (6/ 2583)
.
وقد يقال : إن الغلول يحرم
الشهيد من الوصول إلى مقام الشهادة العليا ، والذي به يُغفر له كل الذنوب ، وإن كان
لا يحرمه من أصل الشهادة وفضيلتها .
راجع للفائدة وبيان أنه ينبغي عدم التهاون بأمر الديْن إجابة السؤال رقم (144635)
.
والله أعلم .
