الجواب :
الحمد لله
أولا :
روى البخاري (5674) – واللفظ له – ومسلم (2191) عن عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ
: سَمِعْتُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ مُسْتَنِدٌ إِلَىَّ يَقُولُ : (
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى ) .

والمقصود بالرفيق الأعلى : مرافقة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين في أعلى جنات النعيم ، فإذا التحق العبد الصالح بالرفيق الأعلى
ذهب إلى درجته ، فيكون النبي مع النبيين والصديق مع الصديقين والصالح مع الصالحين .

وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : ” كُنْتُ أَسْمَعُ أَنَّهُ لَنْ
يَمُوتَ نَبِيّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ، قَالَتْ :
فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ
وَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ يَقُولُ : ( مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ
النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ
رَفِيقًا ) قَالَتْ : فَظَنَنْتُهُ خُيِّرَ حِينَئِذٍ ” .
رواه البخاري (4435) ومسلم (2444)

قال ابن عبد البر رحمه الله :
” وأما قوله : ( وألحقني بالرفيق الأعلى ) فمأخوذ عندهم من قول الله عز وجل : ( مع
الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا )
” انتهى من “الاستذكار” (3 /85) .
وقال ابن كثير رحمه الله :
” وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: ( اللهم في الرفيق الأعلى )
ثلاثا ” انتهى من “تفسير ابن كثير” (2 /353) .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
” وقد وقع لي من طريق أحمد بن حرب عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري فيه بزيادة بعد
قوله ” الذي قبض فيه أصابته بحة ” : فجعلت أسمعه يقول : ( في الرفيق الأعلى مع
الذين أنعم الله عليهم من النبيين ) الآية ” .
انتهى من “فتح الباري” (8 /137) .
وعلى ذلك : فالأصل أنه لا حرج من سؤال العبد ربه أن يلحقه بالرفيق الأعلى إذا مات ،
وأن يبلغه منازل الصالحين ، وليس ذلك من خصائص النبيين .
وعن زيد بن أسلم قال : ” أُغْمِيَ عَلَى الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، ثُمَّ
أَفَاقَ فَقَالَ: ” أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا
رَسُولُ اللَّهِ، وَصْلُ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا،
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى : ( مَعَ الَّذِينَ
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ
وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا)النساء/ 69 ” .
رواه ابن أبي الدنيا في “كتاب المحتضرين” (ص 358) بإسناد صحيح .

وقال علماء اللجنة الدائمة :
” إن الله حرم أجساد الأنبياء والرسل على الأرض أن تأكلها ، فهي باقية كما هي ، وهم
أحياء في قبورهم حياة برزخية الله أعلم بكيفيتها ، وليست كحياتهم في الدنيا ،
وأرواحهم في الجنة ، وهكذا أرواح المؤمنين ، وروح نبينا محمد في الرفيق الأعلى في
الجنة ” انتهى من “فتاوى اللجنة الدائمة” (2 /443) .
ثانيا :
لا يُدعى بهذا الدعاء إلا في حالتين :
أولا : عند تحقق نزول الموت وعَلم العبد أنه في الاحتضار فلا بأس حينئذ أن يدعو
بهذا الدعاء ، فروى البخاري (5673) ومسلم (2682) – واللفظ له – عن أبي هُرَيْرَةَ
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( لَا يَتَمَنَّى
أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ ) .
قال الحافظ رحمه الله :
” وَمَفْهُومه أَنَّهُ إِذَا حَلَّ بِهِ لَا يَمْنَع مِنْ تَمَنِّيه ، رِضًا
بِلِقَاءِ اللَّه ، وَلَا مِنْ طَلَبه مِنْ اللَّه لِذَلِكَ ؛ وَهُوَ كَذَلِكَ ,
وَلِهَذِهِ النُّكْتَة عَقَّبَ الْبُخَارِيّ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة بِحَدِيثِ
عَائِشَة ” اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ
الْأَعْلَى ” إِشَارَة إِلَى أَنَّ النَّهْي مُخْتَصّ بِالْحَالَةِ الَّتِي قَبْل
نُزُول الْمَوْت ” انتهى .
ثانيا : أن يكون مراده بذلك : أنه متى حل بي الموت ، فاجعلني في الرفيق الأعلى ؛
وقد كان من دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام : رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [الشعراء/ 83] .
قال ابن كثير :
” أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم
عند الاحتضار: ( اللهم الرفيق الأعلى ) قالها ثلاثا ” .
انتهى من “تفسير ابن كثير” (6 /147) .
وعلى العبد إذا سأل هذه المسألة أن يجتهد في العمل الصالح حتى يوفقه الله للالتحاق
بالرفيق الأعلى إذا قبضه ؛ فإن الله تعالى قد اشترط لذلك المقام العلي : أن يلزم
العبد نفسه طاعة الله ورسوله ؛ كما قال تعالى : ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ
وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ
النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ
رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا )
النساء/69-70 .
قال ابن كثير رحمه الله :
” أي: كل مَنْ أطاع الله ورسوله على حسب حاله وقدر الواجب عليه من ذكر وأنثى وصغير
وكبير، ( فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) أي: النعمة
العظيمة التي تقتضي الكمال والفلاح والسعادة ” انتهى من “تفسير ابن كثير” (1/185) .

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم : (45841) ، ورقم : (46592) ، ورقم : (145721) .

والله تعالى أعلم .