الجواب :
الحمد لله
جاء النهي عن نشر أسرار الجماع بين الزوجين .
فعن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ ، قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: ( إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ
الْقِيَامَةِ ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ ، ثُمَّ
يَنْشُرُ سِرَّهَا ) رواه مسلم (1437).
قال النووي رحمه الله تعالى :
” وفي هذا الحديث تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع ،
ووصف تفاصيل ذلك ، وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه ” .
انتهى من ” شرح صحيح مسلم ” (10 / 9) .

ولكن إذا احتيج لذكر شيء من
ذلك لبيان الحكم الشرعي أو لنصيحة أو لدفع خصومة بين الزوجين ونحو ذلك فإنه لا بأس
به .
وإذا أمكن التعريض في هذا فهو أولى من التصريح ، وإذا أمكن أن يذكر الأمر على سبيل
العموم والإجمال فلا يذكر التفصيل .
ومما يدل على هذا :
عَنْ عَائِشَةَ ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: ”
إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ
الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهْلَهُ ثُمَّ يُكْسِلُ هَلْ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ ؟ ،
وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( إِنِّي لَأَفْعَلُ ذَلِكَ ، أَنَا وَهَذِهِ ، ثُمَّ نَغْتَسِلُ ) رواه مسلم (350)
.
قال النووي رحمه الله تعالى :
” فيه جواز ذكر مثل هذا، بحضرة الزوجة ، إذا ترتبت عليه مصلحة ، ولم يحصل به أذى ،
وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم بهذه العبارة ليكون أوقع في نفسه ” .
انتهى من ” شرح صحيح مسلم ” (4 / 42) .
ومن ذلك أيضا :
عَنْ عِكْرِمَةَ : ” أَنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ
الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ القُرَظِيُّ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : وَعَلَيْهَا
خِمَارٌ أَخْضَرُ ، فَشَكَتْ إِلَيْهَا ، وَأَرَتْهَا خُضْرَةً بِجِلْدِهَا ،
فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَالنِّسَاءُ
يَنْصُرُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا – قَالَتْ عَائِشَةُ : مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا
يَلْقَى المُؤْمِنَاتُ ؟ لَجِلْدُهَا أَشَدُّ خُضْرَةً مِنْ ثَوْبِهَا ، قَالَ:
وَسَمِعَ أَنَّهَا قَدْ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
فَجَاءَ وَمَعَهُ ابْنَانِ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي
إِلَيْهِ مِنْ ذَنْبٍ ، إِلَّا أَنَّ مَا مَعَهُ لَيْسَ بِأَغْنَى عَنِّي مِنْ
هَذِهِ – وَأَخَذَتْ هُدْبَةً مِنْ ثَوْبِهَا – فَقَالَ : كَذَبَتْ وَاللَّهِ يَا
رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي لَأَنْفُضُهَا نَفْضَ الأَدِيمِ ، وَلَكِنَّهَا نَاشِزٌ ،
تُرِيدُ رِفَاعَةَ … ) رواه البخاري (5825) .
وفي رواية ” وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، وَابْنُ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ جَالِسٌ بِبَابِ الحُجْرَةِ لِيُؤْذَنَ
لَهُ ، فَطَفِقَ خَالِدٌ يُنَادِي أَبَا بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ ، أَلاَ تَزْجُرُ
هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ؟ وَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى
التَّبَسُّمِ ” رواه البخاري (6084) ، ومسلم (1433) .
فعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على المرأة وعلى زوجها بما صرّحا به من أسرار
الجماع : دليل على جواز ذلك عند الحاجة ، والحاجة هنا هي دفع تلك الخصومة .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى :
” وتبسّمه صلى الله عليه وسلم كان تعجبا منها ، إما لتصريحها بما يستحيي النساء من
التصريح به غالبا ، وإما لضعف عقل النساء ؛ لكون الحامل لها على ذلك شدة بغضها في
الزوج الثاني ، ومحبتها في الرجوع إلى الزوج الأول ، ويستفاد منه جواز وقوع ذلك ” .
انتهى من “فتح الباري ” (9 / 466) .
وقال ابن الملقن رحمه الله تعالى :
” وفيه: أن للنساء أن يطلبن أزواجهن عند الإمام بقلة الوطء ، وأن يعرضن بذلك
تعريضًا بينًا كالصريح ، ولا عار عليهن في ذلك .
وفيه : أن للزوج إذا ادعي عليه بذلك أن يخبر بخلاف ويعرب عن نفسه ” .
انتهى من كتابه ” التوضيح ” (27 / 653) .
وقال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله في شرحه لبلوغ المرام (4/548) عند شرحه لحديث
أبي سعيد المتقدم :
“والحديث يدل على تحريم هذا العمل ، أن ينشر الإنسان السر بينه وبين زوجته …. بل
يدل على أنه من الكبائر ، لأن فيه وعيداً ، ويستثنى من ذلك : ما دعت الحاجة إليه
لبيان حكم شرعي … ثم ذكر حديث عائشة المتقدم وغيره ، ثم قال : وعلى هذا ؛ فإذا
اقتضت المصلحة الشرعية أن يُذكر ما لا يُنشر فإن ذلك لا بأس به ، جائز ، أما ما
يفعله على سبيل التندر والتفكه فهذا حرام” انتهى .
والله أعلم .