شخص يصلي مع الجماعة في المسجد ، ولكنة يصلى بمفرده بالرغم من أنه توجد أماكن فارغة في الصفوف يستطيع أن يصلى فيها ، فما حكم هذه الصلاة ، علما بأنة دائما يفعل ذلك .

الحمد لله

صلاة الجماعة من الشعائر الظاهرة العظيمة في ديننا ، وقد سبق
بيان أن القول بوجوبها هو الراجح الذي تقتضيه الأدلة [ راجع السؤال رقم
120 ] .

وأما صلاة المنفرد خلف الصف ، إذا كان في الصف مكان يسعه ، فقد
اختف أهل العلم في صحتها . قال الإمام الترمذي رحمه الله : (كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ
أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ ، وَقَالُوا
يُعِيدُ إِذَا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ
وَإِسْحَقُ )

ثم حكاه أيضا عن حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنُ أَبِي
لَيْلَى وَوَكِيعٌ .

قال : ( وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : يُجْزِئُهُ
إِذَا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ
وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ ) .

والراجح في ذلك ما ذهب إليه الإمام أحمد وغيره من أهل العلم ، من
أنه لا يجوز للمنفرد أن يصلي خلف الصف ، إذا أمكنه الدخول فيه ، وأنه إذا فعل ذلك
بطلت صلاته ، ووجب عليه الإعادة .

وقد دل على ذلك ما رواه أبو داود ( 682 ) والترمذي ( 230 )
وغيرهما ، أَنَّ رَجُلا صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاةَ . [ صححه
الألباني في الإرواء ] .

قال المباركفوري رحمه الله : فِيهِ دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ
الصَّلاةَ خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ لا تَصِحُّ ، وَأَنَّ مَنْ صَلَّى خَلْفَ
الصَّفِّ وَحْدَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلاةَ . انتهى
.

ودل على ذلك أيضا ما رواه أحمد ( 15862 ) وابن ماجة ( 1003 ) أن
علي بن شيبان خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَصَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ ، فَلَمَحَ بِمُؤْخِرِ عَيْنَيْهِ إِلَى رَجُلٍ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي
الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ ، إِنَّهُ لا صَلاةَ
لِمَنْ لا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ )

قَالَ : وَرَأَى رَجُلا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ ، فَوَقَفَ
حَتَّى انْصَرَفَ الرَّجُلُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّم :َ

( اسْتَقْبِلْ صَلاتَكَ ؛ فَلا صَلاةَ لِرَجُلٍ فَرْدٍ خَلْفَ
الصَّفِّ ) . صححه الألباني في صحيح ابن ماجة .

قال السندي رحمه الله في حاشيته على ابن ماجة : ظَاهِر الْحَدِيث
بُطْلان صَلاة مَنْ يَفْعَل كَذَلِكَ .

وقال الصنعاني رحمه الله :

فيه دلالة على بطلان صلاة من صلى خلف الصف وحده ، فإن النفي ظاهر
في نفي الصحة .

وقد قال ببطلانها النخعي وأحمد ، وكان الشافعي يضعف هذا الحديث
ويقول : لو ثبت هذا الحديث لقلت به . قال البيهقي: الاختيار أن يُتَوَقَّى ذلك
لثبوت الخبر المذكور . انتهى .

وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى ما حكم الصلاة خلف
الصف منفرداً ؟

فقال رحمه الله : ( الصلاة خلف الصف المنفرد لا تجوز ولا تصح على
القول الراجح ، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله ، وإن كان عنه رواية
أخرى أنها تصح ، وهو [ أي : القول بصحة صلاة المنفرد خلف الصف ] مذهب الأئمة
الثلاثة : مالك وأبي حنيفة والشافعي .

ولكن الراجح أنها لا تصح خلف الصف منفردا ، إلا إذا تعذر الوقوف
في الصف ؛ بحيث يكون الصف تاماً , فإنه يصلي خلف الصف منفرداً تبعاً للإمام ؛ لأنه
معذور , ولا واجب مع العجز كما قاله أهل العلم – رحمهم الله . ) [ فتاوى
الشيخ 15/193] .

ولكي تعلم خطوة ما يفعله هذا الذي تسأل عنه ، ينبغي أن تعلم أن
بعض أهل العلم قد ذهب إلى بطلان صلاة المنفرد خلف الصف مطلقا ؛ يعني ولو لم يجد له
مكانا في الصف . جاء في فتاوى اللجنة الدائمة : ( إذا دخل رجل المسجد ، وقد أقيمت
الصلاة وامتلأ الصف ، اجتهد أن يدخل في الصف ، فإن لم يتيسر ذلك فإنه يدخل مع
الإمام ويكون عن يمينه ، فإن لم يتمكن انتظر حتى يحضر من يصطف معه ، فإن لم يتيسر
أحد صلى وحده بعد انتهاء صلاة الجماعة . )

وورد نفس التفصيل السابق في جواب آخر للجنة ، وفيه أنه لا يكفي
في ذلك مصافة الصبيان إذا كانوا غير مميزين . قالت : ( … وأما مصافة الصبيان ،
فإن كانوا مميزين فمصافتهم صحيحة … ، وإن كانوا غير مميزين ، فحكمه حكم المنفرد
خلف الصف ، وصلاة المنفرد خلف الصف غير صحيحة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ”
لا صلاة لمنفرد خلف الصف ” )

[ انطر : فتاوى اللجنة 8/6-7 ] .

ولا شك أن الصورة التي سألت عنها تتنافى كل التنافي مع حكمة
الشرع من صلاة الجماعة ، ويأباها من كان له أدنى نظر في حكم الشرع ومقاصده . قال
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ، بعد ما ذكر الحديثين اللذين استُدِلَّ
بهما على عدم صحة صلاة المنفرد خلف الصف :

( .. وَقَدْ صَحَّحَ الْحَدِيثَيْنِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ
أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ، وَأَسَانِيدُهُمَا مِمَّا تَقُومُ بِهِمَا الْحُجَّةُ ;
بَلْ الْمُخَالِفُونَ لَهُمَا يَعْتَمِدُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ عَلَى
مَا هُوَ أَضْعَفُ إسْنَادًا مِنْهُمَا ، وَلَيْسَ فِيهِمَا مَا يُخَالِفُ
الأُصُولَ ، بَلْ مَا فِيهِمَا هُوَ مُقْتَضَى النُّصُوصِ الْمَشْهُورَةِ
وَالأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ ؛ فَإِنَّ صَلاةَ الْجَمَاعَةِ سُمِّيَتْ جَمَاعَةً
لاجْتِمَاعِ الْمُصَلِّينَ فِي الْفِعْلِ مَكَانًا وَزَمَانًا ، فَإِذَا أَخَلُّوا
بِالاجْتِمَاعِ الْمَكَانِيِّ أَوْ الزَّمَانِيِّ ، مِثْلَ أَنْ يَتَقَدَّمُوا أَوْ
بَعْضُهُمْ عَلَى الإِمَامِ أَوْ يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ تَخَلُّفًا كَثِيرًا
لِغَيْرِ عُذْرٍ ، كَانَ ذَلِكَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الأَئِمَّةِ ؛
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانُوا مُفْتَرِقِينَ غَيْرَ مُنْتَظِمِينَ ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ
هَذَا خَلْفَ هَذَا وَهَذَا خَلْفَ هَذَا ، كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الأُمُورِ
الْمُنْكَرَةِ ، بَلْ قَدْ أُمِرُوا بِالاصْطِفَافِ ، بَلْ أَمَرَهُمْ النَّبِيُّ
صلى الله عليه وسلم بِتَقْوِيمِ الصُّفُوفِ وَتَعْدِيلِهَا وَتَرَاصِّ الصُّفُوفِ
وَسَدِّ الْخَلَلِ وَسَدِّ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ ؛ كُلُّ ذَلِكَ مُبَالَغَةً فِي
تَحْقِيقِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ بِحَسَبِ الإِمْكَانِ .

وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الاصْطِفَافُ وَاجِبًا لَجَازَ أَنْ يَقِفَ
وَاحِدٌ خَلْفَ وَاحِدٍ وَهَلُمَّ جَرَّا ؛ وَهَذَا مِمَّا يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ
عِلْمًا عَامًّا أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ صَلاةَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا
مِمَّا يَجُوزُ لَفَعَلَهُ الْمُسْلِمُونَ وَلَوْ مَرَّةً ، بَلْ وَكَذَلِكَ إذَا
جَعَلُوا الصَّفَّ غَيْرَ مُنْتَظِمٍ : مِثْلَ أَنْ يَتَقَدَّمَ هَذَا عَلَى هَذَا
، وَيَتَأَخَّرَ هَذَا عَنْ هَذَا ، لَكَانَ ذَلِكَ شَيْئًا قَدْ عُلِمَ نَهْيُ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْهُ ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ .

بَلْ إذَا صَلَّوْا قُدَّامَ الإِمَامِ كَانَ أَحْسَنَ مِنْ
مِثْلِ هَذَا . فَإِذَا كَانَ الْجُمْهُورُ لا يُصَحِّحُونَ الصَّلاةَ قُدَّامَ
الإِمَامِ إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَكَيْفَ تَصِحُّ الصَّلاةُ
بِدُونِ الاصْطِفَافِ .

فَقِيَاسُ الأُصُولِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الاصْطِفَافِ ، وَأَنَّ
صَلاةَ الْمُنْفَرِدِ لا تَصِحُّ كَمَا جَاءَ بِهِ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ ، وَمَنْ
خَالَفَ ذَلِكَ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَلا رَيْبَ أَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ هَذِهِ
السُّنَّةُ مِنْ وَجْهٍ يَثِقُ بِهِ ، بَلْ قَدْ يَكُونُ لَمْ يَسْمَعْهَا ، وَقَدْ
يَكُونُ ظَنَّ أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ .. )
[ مجموع فتاوى شيخ الإسلام 23/393-395 ] .

فاجتهد أيها الأخ الكريم في نصح أخيك الذي يفعل ذلك ، وأعلمه
بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، ونهيه عن مثل ذلك ، لكن بشرط أن يكون نصحك له
بالرفق واللين ، وتخير الحال التي يُرْجَى فيها قبول نصحك له ، والله يوفقنا وإياكم
لما يحبه ويرضاه .