السؤال:
أنا شاب على خلاف مع أختي في البيت ، وأخاف أن تكون صلاتي غير مقبولة ، وهذا لرغبتها – فجأة – في أن تتمتع بالحرية ، وادعائها مواكبة العصر حيث تعمل طوال اليوم ، ترفع صوت مسجل الأغاني ، تريد الاحتفال برأس السنة الميلادية ، وتلبس أزياء ليست من عادتها ، كالبنطال ، وصلت بها الجرأة أن تأتي بذاك اللباس إلى الغرفة التي كنت فيها لمشاهدة نفسها في المرآة ! فمنعتُها من دخولها مرة أخرى ، لا أتكلم معها بسبب الشجار الدائم ، هل تكون كل أعمالي وعبادتي غير مقبولة ؟ ولولا ذلك لتمادت في هذه الأمور وأكثرتْ منها ، ولم تبالِ لأحدٍ لغياب ما يمنعها أو يقّلل من ذلك ، وهذا في ظل سكوت والدايَّ ، ورفضهم تلك المعاملة من طرفي .

 

الجواب :

الحمد لله

أولاً:

سبق
في جواب السؤال رقم (

115098
) ماذا يفعل الأخ

إذا كانت أخته تخرج بالحجاب والبنطلون ، وبينَّا في جواب السؤال رقم
(

111665
) ماذا يفعل إذا كانت

أخته تحادث رجلاً أجنبيّاً ووالداها لا ينكران عليها ، فلينظرا فهما في الموضوع
نفسه .

ثانياً:

الهجر لأصحاب المعاصي والبدع مشروع في
أصله ، بل قد يجب إذا كان له ثمرة في إصلاح العاصي أو المبتدع ، أو كان نافعاً في
التحذير من شرهما وكف أذاهما عن المسلمين ، فما فعلتَه مع أختك من ترك الكلام معها
لا يخرج عن هذا ، فإن رأيتَ أن هجرها نافع لها ، وأنها قد ترتدع عن غيها ومعاصيها :
فاستمر على ذلك الهجر ، ولو طالت المدة ، وإن رأيتَ أن ذلك غير نافعها بشيء ، وأنها
قد تزداد في معاصيها : فالنصيحة لك الكف عن هجرها وسلوك طرق أخرى في التقرب في
قلبها ونفسها ، ومحاولة التأثير عليها بطرق مختلفة عن الهجر .

وقد سبق بيان ذلك في أجوبة عديدة ، فانظر أجوبة الأسئلة : (  83581
) و
(

98636
) و (

65500
) .

ثالثاً:

وأما سؤالك عن قبول عملك في حال هجرك لأختك وعدم الكلام معها : فإن ذلك يرجع إلى
طبيعة الهجر وسببه وآثاره المتوقعة ، والذي ذكرتَه أنت يجعل هجرك لها شرعيّاً ، ولا
تدخل بسببه مع الذين لا يغفر لهم من أجل المشاحنة ، ولا مع قاطعي الرحم الذين لا
تُقبل أعمالهم .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ : ( تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ
فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ
بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ : أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى
يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى
يَصْطَلِحَا ) .

رواه مسلم ( 2565 ) .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ كُلَّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ
الْجُمُعَةِ فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ ) .

رواه أحمد في ” مسنده ” ( 16 / 191 ) وحسنه المحققون .

وهذه الأحاديث إنما يراد بها من خاصم أخاه لأمرٍ دنيوي ، ومن قطع رحمه لا لسبب شرعي
، كما بيَّنه الأئمة والعلماء شرَّاح الأحاديث ، وفقهاء الإسلام .

فالحديث الأول رواه أبو داود – مع مسلم –
( 4916 )  ، وقال بعده :

النبي صلى الله عليه وسلم هجَر بعض
نسائه أربعين يوماً ، وابن عمر هجر ابناً له إلى أن مات.

قال أبو داود : إذا كانت الهجرة لله
: فليس من هذا بشىء ، وإن عمر بن عبد العزيز غطى وجهه عن رجل .

” سنن أبى داود ” ( 4 / 432 ) .

وقال النووي – رحمه الله – شرحاً لحديث
الصحابي عبد الله بن مغفل الذي هجر قريباً له بسبب معصية أصرَّ عليها – :

فيه : هجران أهل البدع والفسوق ومنابذي
السنَّة مع العلم ، وأنه يجوز هجرانه دائماً ، والنهي عن الهجران فوق ثلاثة أيام
إنما هو فيمن هجر لحظ نفسه ومعايش الدنيا ، وأما أهل البدع ونحوهم : فهجرانهم
دائماً ، وهذا الحديث مما يؤيده مع نظائر له ، كحديث كعب بن مالك وغيره.

” شرح مسلم ” ( 13 / 106 ) .

وقال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله –
بعد أن ساق أحاديث في النهي عن التقاطع والهجران -:

وكل هذا في التقاطع للأمور الدنيوية ،
فأما لأجل الدين : فتجوز الزيادة على الثلاثة ، نصَّ عليه الإمام أحمد ، واستدل
بقصة الثلاثة الذين خلفوا وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهجرانهم لما خاف
منهم النفاق ، وأباح هجران أهل البدع المغلظة والدعاة إلى الأهواء ، وذكر الخطَّابي
أن هجران الوالد لولده والزوج لزوجته وما كان في معنى ذلك تأديباً : تجوز الزيادة
فيه على الثلاث ؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هَجَر نساءَه شهراً .

” جامع العلوم والحكم ” ( ص 331 ) .

 

فنرجو الله أن يقبل أعمالك وأن يغفر لك
ذنبك ، وعليك بمراجعة نفسك فيما فعلتَ من الهجران لأختك ؛ فإن رأيتَ ذلك نافعها :
فاستمر على ذلك ، ولست داخلاً في الأحاديث التي تحذر من الهجران والقطيعة ، وإن
رأيتَه غير نافع ، ورأيتَ محاربة من أهلك لك ، وخشيت على نفسك من الفتنة بسبب ذلك :
فتوقف عن الهجر واشتغل بتأليف قلبها بما تراه مناسباً ، من حسن معاملة ، أو هدية ،
أو البحث عن أخوات فاضلات يكلمنها وينصحنها ، وغير ذلك مما قد يكون مفتاحاً لقلبها
لتترك معصية ربها تعالى .

 

والله أعلم