في عمليه البحث عن شريكة حياة ، وجدت الفتاه التي أتمنى الارتباط بها ، وهي ـ وفقاً لما وصفته أختي ـ : فتاة صالحة تصلي وتقرأ القرآن وتتبع أوامر الشرع .
ولكن وفقا لما قالته أختي ، فإن هذه الفتاة كانت على علاقة مع ولد ، ولكنها لم تصل إلى مرحلة الجماع . أختى صديقة مقربة من هذه الفتاة ، وأخبرتني بأنها تغيرت منذ ذلك الوقت ، وبكت و ندمت على ذلك .
فهل من حقي أن أطلب المزيد من التفاصيل عن ماضيها ؟ وماذا أفعل لو أزعجني ذلك ؟ أو ينبغي علي تركها كفتاة لها ماض وتابت ، مع علمي أنها لم تعد إلى ذلك ؟
جزاكم الله خيراً .

 

الجواب :

الحمد لله

أولا :

من ابتلي بشيء من المعاصي ثم تاب ، تاب الله عليه ، وبدل سيئاته حسنات ، مهما كان
ذنبه ، ومهما عظم جرمه ، كما قال سبحانه : ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ
إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا
بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ
لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلا مَنْ تَابَ
وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الفرقان/68– 70
والمهم أن تكون التوبة صادقة نصوحا خالصة لله تعالى .

ومن إحسان الله تعالى على عبده أن يستره ، ولا يكشف أمره ، ولهذا كان من القبيح أن
يفضح الإنسان نفسه وقد ستره الله ، بل أن ينبغي أن يستتر بستر الله تعالى ، والنصوص
الشرعية مؤكدة لذلك ، حاثة عليه في غير ما موضع . فمن ذلك :
قوله صلى الله عليه وسلم : ( اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عز وجل عنها ، فمن
ألمّ فليستتر بستر الله عز وجل ) والحديث رواه البيهقي وصححه الألباني في السلسلة
الصحيحة برقم (663)
وروى مسلم (2590) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا
سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ).
وهذا من البشارة للتائب الذي ستره الله تعالى في الدنيا ، أن الله سيستره في الآخرة
، وقد حلف النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى تأكيدا له ، فقد روى أحمد
(23968) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ : ( ثَلَاثٌ أَحْلِفُ عَلَيْهِنَّ لَا يَجْعَلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ
لَهُ سَهْمٌ فِي الْإِسْلَامِ كَمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ ؛ فَأَسْهُمُ الْإِسْلَامِ
ثَلَاثَةٌ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالزَّكَاةُ . وَلَا يَتَوَلَّى اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا فَيُوَلِّيهِ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَلَا
يُحِبُّ رَجُلٌ قَوْمًا إِلَّا جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَعَهُمْ .
وَالرَّابِعَةُ لَوْ حَلَفْتُ عَلَيْهَا رَجَوْتُ أَنْ لَا آثَمَ : لَا يَسْتُرُ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
) وصححه الألباني في السلسة الصحيحة برقم (1387) .
وقال صلى الله عليه وسلم: ( كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ ،
وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ، ثُمَّ
يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ : يَا فُلَانُ عَمِلْتُ
الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا ، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ
سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ ) رواه البخاري (6069) ومسلم (2990).

وبهذا يُعلم أن المرأة لا تخبر خاطبها أو زوجها بشيء من معاصيها ، ولو سألها فإنها
لا تخبره ، وتستعمل المعاريض والتورية ، وهي الكلام الذي يفهم منه السامع معنى ،
خلاف ما يريده المتكلم ، كأن تقول : لم يكن لي علاقة بأحد ، وتقصد لم يكن لي علاقة
بأحد قبل يوم أو يومين ، ونحو هذا .
ثانيا :
ينبغي للزوج أن يختار صاحبة الدين والخلق ، فإذا وُفق لذلك فلا يفتِّش في ماضيها ،
ولا يسألها عن معاصيها ، فإن ذلك مخالف لما يحبه الله تعالى من الستر ، مع ما فيه
من إثارة الشك ، وتكدير الخاطر ، وتشويش البال ، والإنسان في غنى عن ذلك كله ،
فحسبه أن يرى زوجته مستقيمة على طاعة الله ، ملتزمة بأمره في الوقت الذي يريد
الزواج بها فيه . وهكذا الزوجة لا تسأل زوجها عن أموره الماضية ، هل أحب غيرها ، أو
تعلق بسواها ، أو زل في معصية ، فإن هذا لا خير فيه ، ويفتح بابا من الشر قد لا
يمكن تلافيه ، وهو مخالف لمراد الشارع كما سبق .

ثم من الذي ما ساء قط ، ومن له الحسنى فقط ، وأي عبد لله لم يلم بذنب ، يجو(يرجو)
التوبة منه ، والستر عليه ؛ كلنا ذاك الرجل ، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :
أين كانوا قبل أن يمن الله عليهم بدينه ، وينقذهم بنبيه ، ألم يكونوا في ظلمات
الشرك ؟ ألم يكونوا يعبدون الأصنام ؟ ألم يكونوا … ، ألم يكونوا … ؛ فدع ستور
الماضي مرخاة على أصحابها ، وفوض أمرهم فيها إلى الذي يعلم السر وأخفى .

والحاصل :

أن هذه الفتاة إذا كانت قد تابت واستقامت ، وظهر لكم صلاح حالها في الوقت الحاضر ؛
فلا حرج عليك في الزواج منها بعد الاستخارة ، وليس لك أن تسألها عن ماضيها ؛ لأنه
لا خير لك في هذا السؤال ، وهو مخالف لما يريد الله تعالى من الستر ، وقد يحملها
على الكذب ، أو تكون صادقة ولا تقتنع بتصديقها فيورثك الشك والهم .

وإن كنت تعلم من نفسك أنك لن تصبر على ما أمرك الله به من الستر ، وترك التفتيش
والتنقيب عن العورات والزلات ؛ فدعها لغيرك ، والله يوفقها لمن هو خير منك ، ويوفقك
لمن هو خير منها .

ونسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد .

والله أعلم .