السؤال:
هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم شيئا عن اليهودية والنصرانية ؟

الجواب :

الحمد لله

هذا فيه تفصيل :

أما قبل النبوة والرسالة
، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم شيئا عن تفاصيل اليهودية أو النصرانية أو
غيرهما من الأديان ، إلا أن يكون سماعا عاما ، وأمرا مجملا ، كالذي يعلمه نظراؤه من
أهل مكة في ذلك الزمان ، ممن لا علم لهم بالأخبار ، ولا درس لهم ، ولا كتاب .

وكان عدم علمه عن تفاصيل دينهم وعدم اطلاعه على كتبهم من دلائل نبوته صلى الله عليه
وسلم ، وردا على من قال إنما يعلمه بشر ، ومن قال : أخذ علمه عن أهل الكتاب كبحيرا
الراهب ونحو ذلك من الافتراءات والأكاذيب .

قال تعالى : ( وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ
تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ) الشورى/ 52.

قال القرطبي رحمه الله :

” … وَقِيلَ: ( مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ ) أَيْ كُنْتَ
مِنْ قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لَا يَعْرِفُونَ الْكِتَابَ وَلَا الْإِيمَانَ، حَتَّى
تَكُونَ قَدْ أَخَذْتَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ عَمَّنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ
مِنْهُمْ، وهو كقوله تعالى: ( وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا
تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ) رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ” انتهى من “تفسير القرطبي” (16/ 60).

وقال السعدي رحمه الله :

” أي: ليس عندك علم
بأخبار الكتب السابقة، ولا إيمان وعمل بالشرائع الإلهية، بل كنت أميا لا تخط ولا
تقرأ ” انتهى من “تفسير السعدي” (ص 762)
.

وقال تعالى :

( وَمَا كُنْتَ
تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ
الْمُبْطِلُونَ ) العنكبوت/ 48.

قال الشوكاني رحمه الله :

” قَالَ النَّحَّاسُ: وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ لِأَنَّهُ لَا يَكْتُبُ،
وَلَا يُخَالِطُ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ أَهْلُ كِتَابٍ،
فَجَاءَهُمْ بِأَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ ” انتهى من “فتح القدير” (4/
239).

وينظر : “تفسير الطبري” (15/ 551)
،

“تفسير ابن جزي” (2/ 491)
،

“تفسير القرطبي” (20/ 96).

 

أما بعد أن أكرمه الله بالنبوة فقد علم ما لم يكن يعلم من قبل ، حتى صار أعلم بدين
اليهود والنصارى من أنفسهم .

قال تعالى :

( وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ
تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) النساء/ 113.

قال السعدي رحمه الله :

” وهذا يشمل جميع ما علمه الله تعالى ، فإنه صلى الله عليه وسلم كما وصفه الله قبل
النبوة بقوله: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ) ، (وَوَجَدَكَ
ضَالا فَهَدَى) .

ثم لم يزل يوحي الله إليه ويعلمه ويكمله ، حتى ارتقى مقاما من العلم يتعذر وصوله
على الأولين والآخرين ” انتهى من “تفسير السعدي” (ص 201).

وقال الشنقيطي رحمه الله :

” أَيْ لَسْتَ عَالِمًا بِهَذِهِ الْعُلُومِ الَّتِي لَا تُعْرَفُ إِلَّا
بِالْوَحْيِ، فَهَدَاكَ إِلَيْهَا وَعَلَّمَكَهَا بِمَا أَوْحَى إِلَيْكَ مِنْ
هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ” انتهى من “أضواء البيان” (2/ 203).

 

وقد روى ابن حبان في “صحيحه” (6679) عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ:
بُعثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ بُعِثَ ،
فَكَرِهْتُهُ أَشَدَّ مَا كَرِهْتُ شَيْئًا قَطُّ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي
أَقْصَى الْأَرْضِ مِمَّا يَلِيَ الرُّومَ، فَقُلْتُ: لَوْ أَتَيْتُ هَذَا
الرَّجُلَ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا
اتَّبَعْتُهُ، فَأَقْبَلْتُ، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ اسْتَشْرَفَ لِي
النَّاسُ، وَقَالُوا: جَاءَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، جَاءَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ،
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِي: ( يَا عَدِيَّ بْنَ
حَاتِمٍ ؛ أَسْلِمْ ، تَسْلَمْ !! ) قَالَ : قُلْتُ: إِنَّ لِي دِينًا، قَالَ: (
أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ – مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا – أَلَسْتَ تَرْأَسُ
قَوْمَكَ؟ ) قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: ( أَلَسْتَ- تَأْكُلُ-الْمِرْبَاعَ؟ )
قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: ( فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ )
قَالَ: فَتَضَعْضَعْتُ لِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: ( يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ،
أَسْلِمْ تَسْلَمْ … ) وذكر الحديث .

قال الشيخ شعيب الأرناءوط : ” إسناده قوي ” .

والشاهد منه قوله : ( أنا أعلم بدينك منك ) ثم بيّن له .

راجع للاستزادة جواب السؤال رقم : (162219).

والله تعالى أعلم .