سمعت شيئا من شيخ في محاضرة أنه عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جسد عمه حمزة بن عبد المطلب ممثلا به أقسم أن يمثل بسبعين من أعدائه .
أريد أولا أن أسأل هل هذا صحيح ، وإذا كان صحيحا فما يجعلني أتساءل هو كيف يرد النبي صلى الله عليه وسلم السيئ بالسيئ انتقاما ؟ شكرا لكم

 

الجواب :

الحمد لله

يورد العلماء هذا الحديث في تفسير قول الله تعالى : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ
فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ
لِلصَّابِرِينَ ) النحل/126.

والجواب عن الاستشكال الوارد عليه يسير وواضح ، وهو أنه حديث ضعيف لا يثبت ، يُروَى
عن ثلاثة من الصحابة الكرام مِن طرق لا تصح :

 

الحديث الأول : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه :

(
أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ نَظَرَ إِلَى
حَمْزَةَ وَقَدْ قُتِلَ وَمُثِّلَ بِهِ ، فَرَأَى مَنْظَرًا لَمْ يَرَ مَنْظَرًا
قَطُّ أَوَجَعَ لِقَلْبِهِ مِنْهِ وَلا أَوْجَلَ ، فَقَالَ : رَحْمَةُ اللَّهِ
عَلَيْكَ ، فَقَدْ كُنْتَ وَصُولا لِلرَّحِمِ ، فَعُولا لِلْخَيْراتِ ، وَلَوْلا
حُزْنُ مَنْ بَعْدَكَ عَلَيْكَ لَسَرَّنِي أَنْ أَدَعَكَ حَتَّى تَجِيءَ مِنْ
أَفْوَاجٍ شَتَّى .

ثُمَّ حَلَفَ وَهُوَ وَاقِفٌ مَكَانَهُ : وَاللَّهِ لأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ
مِنْهُمْ مَكَانَكَ .

فَنَزَلَ الْقُرْآنُ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي مَكَانِهِ لَمْ يَبْرَحْ بَعْدُ : ( وَإِنْ
عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ
خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) النحل/126، حَتَّى تُخْتَمَ السُّورَةُ ، فَكَفَّرَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمْسَكَ عَمَّا أَرَادَ .

رواه الطبراني في ” المعجم الكبير ” (3/143)، والطحاوي في ” شرح معاني الآثار ”
(3/183)، والحاكم في ” المستدرك ” (3/218)، والآجري في ” الشريعة ” (رقم/1677)،
والبيهقي في ” شعب الإيمان ” (12/185) جميعهم من طريق
صالح المري ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه
.

 

وهذا إسناد ضعيف
بسبب صالح بن بشير المُرِّي ، القاص العابد ، قال ابن المديني : ضعيف جدا . وقال
ابن معين : ليس بشيء . وقال البخاري : منكر الحديث . وقال النسائي : ضعيف الحديث ،
له أحاديث مناكير . وقال ابن عدي : عامة أحاديثه منكرات . وهكذا كان عامة المحدثين
على ضعف حديثه ونكارته . انظر: ” تهذيب التهذيب ” (4/383)

ولذلك قال الحافظ ابن كثير رحمه الله :


وهذا إسناد فيه ضعف ” انتهى.

” تفسير القرآن العظيم ” (4/614)

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :


بإسناد فيه ضعف ” انتهى.

” فتح الباري ” (7/371)

وضعفه
الشيخ الألباني رحمه الله في ” السلسلة الضعيفة ” (رقم/550)

 

الحديث الثاني : عن ابن عباس رضي الله عنهما

وقد
روي عن ابن عباس من طريقين ضعيفين :

الأول : لفظه : ( لَمَّا قُتِلَ حَمْزَةُ وَمُثِّلَ بِهِ قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَئِنْ ظَفِرْتُ بِهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ
بِسَبْعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ . فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَإِنْ
عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ
خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ) النحل/126، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( بَلْ نَصْبِرُ ).

رواه الطحاوي في ” شرح معاني الآثار ” (3/184) ، والبيهقي في ” دلائل النبوة ”
(3/288) كلاهما من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني ، قال : ثنا قيس ، عن ابن أبي
ليلى ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس به .

قال
الشيخ الألباني رحمه الله :


سنده ضعيف ، مسلسل بالضعفاء الثلاثة : ابن أبي ليلى
فَمَن دونه ” انتهى.

” السلسلة الضعيفة ” (رقم/550)

والطريق الثاني : لفظه : (
لمَّا انصرف المشركون عن قتلى أحد انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرأى منظرا
أساءه ، رأى حمزة رضي الله عنه قد شق بطنه ، واصطلم أنفه وجدعت أذناه ، فقال : لولا
أن يحزن النساء ، أو يكون سنة بعدي لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير ،
لأمثلن مكانه بسبعين رجلا ، ثم دعا ببردة فغطى بها وجهه ، فخرجت رجلاه ، فغطى رسول
الله صلى الله عليه وسلم وجهه ، وجعل على رجليه شيئا من الإذخر ، ثم قدمه فكبر عليه
عشرا ، ثم جعل يجاء بالرجل فيوضع وحمزة مكانه حتى صلى عليه سبعين صلاة ، وكان
القتلى سبعين ، فلما دفنوا وفرغ منهم نزلت هذه الآية : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة ) إلى قوله : ( واصبر وما صبرك إلا بالله ) فصبر رسول الله صلى
الله عليه و سلم ولم يمثل بأحد )

رواه الدارقطني في ” السنن ” (4/118) ومن طريقه الواحدي في ” أسباب النزول ” (152)

قال الدارقطني : نا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، نا الحكم بن موسى ، نا
إسماعيل بن عياش ، عن عبد الملك بن أبي عتبة أو غيره ، عن الحكم بن عتيبة ، عن
مجاهد ، عن ابن عباس به .

وهذا إسناد ضعيف ، لما فيه من الإبهام حيث قال : عن عبد الملك بن أبي عتبة أو غيره
، ثم عقبه الدارقطني بتضعيفه قائلا : ” لم يروه غير إسماعيل بن عياش ، وهو مضطرب
الحديث عن غير الشاميين

انتهى.

 

الحديث الثالث : عن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال
:

(

لما
نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم  إلى حمزة بن عبد المطلب قال : والله لأمثلن
بسبعين منهم . فجاء جبريل بهذه الآية : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين )
فقال : يا جبريل ! ما هذا ؟ قال : لا أدري حتى أسأل . ثم عاد فقال : ( إن الله
يأمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتصل من قطعك ، وتعطي من حرمك )

رواه ابن مردويه – كما نقل إسناده الزيلعي في ” تخريج أحاديث الكشاف ” (1/477) –
قال :

حدثنا أحمد بن إسحاق بن نيخاب الطيبي ، ثنا محمد بن يونس ، ثنا عبد الله ابن داود
الخريبي ، ثنا عبادة بن مسلم ، عن العلاء بن بدر ، عن قيس بن سعد بن عبادة به .

وفي
هذا الإسناد محمد بن يونس الكديمي : متهم بالكذب .

قال
حمزة بن يوسف السهمى : سمعت الدارقطنى يقول : كان الكديمى يتهم بوضع الحديث .

وقال ابن حبان : كان يضع الحديث ، لعله قد وضع على الثقات أكثر من ألف حديث .


تهذيب التهذيب ” (9/475-478)

 

فالحاصل أن الأحاديث الثلاثة ضعيفة لا تتقوى ، لما فيهما من أسباب الضعف الشديد
والنكارة
، والثابت أن الذي توعد بالتمثيل بجثث المشركين هم بعض الصحابة ، وليس النبي صلى
الله عليه وسلم ، وذلك رغبة في الانتقام لقتلاهم الذين مَثَّل المشركون بهم ، كما
هي طبيعة البشر في حب القصاص من الظالم والمعتدي بمثل ما ظلم واعتدى ، ولكن الله عز
وجل نهاهم عن ذلك ، وندبهم إلى الصبر واحتساب الأجر عند الله .

فقد
ثبت عن

أُبَي بن كعب رضي الله عنه قال :

(
لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنْ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ
رَجُلًا ، وَمِنْ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ ، فِيهِمْ
حَمْزَةُ ، فَمَثَّلُوا بِهِمْ ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ : لَئِنْ أَصَبْنَا
مِنْهُمْ يَوْمًا مِثْلَ هَذَا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ . قَالَ : فَلَمَّا كَانَ
يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَإِنْ عَاقَبْتُمْ
فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ
لِلصَّابِرِينَ )

رواه الترمذي (رقم/3129) وغيره . وقال الترمذي : حسن غريب . وصححه الذهبي في ”
التلخيص ” (2/391)، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “، وفي ” السلسلة الصحيحة ”
(رقم/2377)

 

والله أعلم .