يطلق بعض إخوتي لحاهم ويحلقون شواربهم ، ويقولون إن عمر رضي الله عنه كان يفعل ذلك ، لقد قرأت بعض ردودكم الخاصة بتهذيب الشارب على الموقع ، ولكن هل يجوز حلقه ؟
الحمد لله
اختلف أهل العلم في السنة المستحبة في الشارب ، على قولين :
القول الأول : أن السنة هي الحلق بالكلية ، وهو مذهب الحنفية والحنابلة . واستدلوا
بظاهر الألفاظ النبوية الواردة في هذا الباب ، ومنها : ( أَحْفُوا الشَّوَارِبَ )
البخاري (5892) ومسلم (259)
، ( أَنْهِكُوا الشَّوَاربَ ) البخاري
(5893) ، وفي لفظ لمسلم (260)
(جُزُّوا الشَّوَارب) .
قال الطحاوي في “شرح معاني الآثار” (4/230) :
” الإحفاء أفضل من القص ، وهذا مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله”
انتهى
.
ونقل ابن عابدين في “رد المحتار” (2/550) عن المتأخرين اختيار القص ، فقال :
” المذهب (يعني المذهب الحنفي) عند بعض المتأخرين من مشايخنا أنه القص , قال في
البدائع : وهو الصحيح ” انتهى
.
القول الثاني : أن السنة قص الشارب ، وأما حلقه فمكروه : وهو مذهب المالكية
والشافعية ، وشدَّد الإمام مالك رحمه الله في ذلك .
واستدلوا على ذلك بما يلي :
1- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( الْفِطْرَةُ خَمْسٌ : الْخِتَانُ ،
وَالِاسْتِحْدَادُ ، وَقَصُّ الشَّارِبِ ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ ، وَنَتْفُ
الْآبَاطِ ) رواه البخاري (5891) ومسلم
(257) .
2- وعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه قَالَ : ( كَانَ شَارِبِي وَفَى
– أي زاد – فَقَصَّهُ لِي – يعني النبي صلى الله عليه وسلم – عَلَى سِوَاكٍ )
رواه أبو داود (188) وصححه الألباني في صحيح
أبي داود .
وروى البيهقي في “السنن الكبرى” (1/151) بسنده عن : “عبد العزيز بن عبد الله
الأويسي قال :
ذكر مالك بن أنس إحفاء بعض الناس شواربهم فقال : ينبغي أن يضرب من صنع ذلك ، فليس
حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الإحفاء ، ولكن يبدي حرف الشفتين والفم .
وقال مالك بن أنس : حلق الشارب بدعة ظهرت في الناس ”
انتهى باختصار
.
وقال أبو الوليد الباجي في “المنتقى شرح الموطأ” (7/266) :
” روى ابن عبد الحكم عن مالك : ليس إحفاء الشارب حلقه ، وأرى أن يؤدب من حلق شاربه
. وروى أشهب عن مالك : حلقُهُ مِن البدع .
قال مالك رحمه الله : وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان إذا أحزَنَهُ
أمرٌ فَتَل شاربه . ولو كان محلوقا ما كان فيه ما يفتل ”
انتهى
. وانظر “التمهيد” (21/62-68)
.
وقال النووي في “المجموع” (1/34-341) :
” ثم ضابط قص الشارب أن يقص حتى يبدو طرفُ الشفة ، ولا يحفّه من أصله , هذا مذهبنا
” انتهى
.
وفي “نهاية المحتاج” للرملي (8/148) من أئمة الشافعية : ” ويكره الإحفاء ”
انتهى
. يعني : إحفاء الشارب .
وقد ورد هذا المذهب عن جماعة من السلف أيضا :
فروى البيهقي في “السنن الكبرى” (1/151) بسنده : عن شرحبيل بن مسلم الخولاني قال :
رأيت خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصون شواربهم ويعفون لحاهم
ويصفرونها : أبو أمامة الباهلي ، وعبد الله بن بسر ، وعتبة بن عبد السلمي ، والحجاج
بن عامر الثمالي ، والمقدام بن معد يكرب الكندي ، كانوا يقصون شواربهم مع طرف الشفة
.
وأجابوا عن أدلة القول الأول بأحد جوابين :
1- أن المراد بالإحفاء والإنهاك هو قص طرف الشعر الذي على الشفة ، وليس حلق أصل
الشعر ، بدليل الروايات التي فيها ذكر القص فقط ، فهي مُبَيِّنَةٌ لأحاديث الإحفاء
.
قال أبو الوليد الباجي في “المنتقى شرح الموطأ” (7/266) :
” روى ابن القاسم عن مالك : أن تفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم في إحفاء
الشوارب إنما هو أن يبدو الإطار : وهو ما احمَرَّ من طرف الشفة ، والإطار جوانب
الفم المحدقة به ” انتهى
.
وقال النووي في “المجموع” (1/340) :
” وهذه الروايات – يعني روايات ( أحفوا..أنهكوا..الشوارب ) – محمولةٌ عندنا على
الحف من طرف الشفة ، لا مِن أصل الشعر ”
انتهى .
2- أن الإحفاء والإنهاك في اللغة لا يعني الإزالة الكلية ، بل يعني إزالة بعضه .
قال أبو الوليد الباجي في “المنتقى شرح الموطأ” (7/266) :
” إنهاك الشيء لا يقتضي إزالة جميعه ، وإنما يقتضي إزالة بعضه . قال صاحب “الأفعال”
: نهكته الحمى نهكا : أثرت فيه ” انتهى
.
والراجح – والله أعلم – هو القول الثاني ، بأن السنة هي القص وليس الحلق .
قال الشيخ ابن عثيمين في “مجموع الفتاوى” (11/باب السواك وسنن الفطرة/سؤال رقم 54)
:
” الأفضل قص الشارب كما جاءت به السنة…وأما حلقه فليس من السنة ، وقياس بعضهم
مشروعية حلقه على حلق الرأس في النسك قياس في مقابلة النص ، فلا عبرة به ، ولهذا
قال مالك عن الحلق : إنه بدعه ظهرت في الناس ، فلا ينبغي العدول عما جاءت به السنة
، فإن في اتباعها الهدى والصلاح والسعادة والفلاح ”
انتهى باختصار
.
وقد سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء : ورد في عدة أحاديث : (قصوا الشارب) فهل الحلق
يختلف عن القص ؟ وبعض الناس يقص من أول شاربه مما يلي شفته العليا ، ويترك شعر
شاربه ، تقريباً يقص نصف الشارب ، ويترك الباقي ، فهل هذا هو المعنى ؟ أو ينهك
الشارب أي : يحلق جميعه؟ أرجو الإفادة عن الطريقة التي يقص الشارب بها .
فأجابت
“دلت الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على مشروعية قص الشارب ،
ومن ذلك : قوله صلى الله عليه وسلم : (قصوا الشوارب وأعفوا اللحى ؛ خالفوا
المشركين) متفق على صحته ، وقوله صلى الله عليه وسلم : (جزوا الشوارب وأرخوا اللحى
؛ خالفوا المجوس) ، وفي بعضها : (أحفوا الشوارب) والإحفاء هو المبالغة في القص ،
فمن جز الشارب حتى تظهر الشفة العليا أو أحفاه فلا حرج عليه ؛ لأن الأحاديث جاءت
بالأمرين ، ولا يجوز ترك طرفي الشارب ، بل يقص الشارب كله ، أو يحفيه كله ؛ عملاً
بالسنة” انتهى
.
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز … الشيخ عبد الرزاق عفيفي … الشيخ عبد
الله بن قعود . “فتاوى اللجنة الدائمة”
(5/149) .
وقد اختار الطبري والقاضي عياض جواز الأمرين : الحف والقص ، ومال إليه الحافظ ابن
حجر في “فتح الباري” (10/347)
.
وانظر : “الموسوعة الفقهية” (25/320)
.
والله أعلم .
