الجواب :
الحمد لله
أولا :
شرع الله الحدود حفظا لحدوده التي نهى عن تعديها ، ورعاية لحقوق عباده التي أمر
بصيانتها ، وكفارة لأصحابها وطهرة لهم ، ونصبها دينا ليعلم من يؤمن به وبشرعه ،
ويسمع ويطيع ، ممن لا يرفع بذلك رأسا ، ولا يرى بتعدي حدود الله بأسا ، وجعلها ردعا
لمن تسول له نفسه العدوان على محارم الله .
ثانيا :
رجم النبي صلى الله عليه وسلم وقطع .
أما الرجم : فروى البخاري (6830) ، ومسلم (1691) عن
عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قال: ” قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ جَالِسٌ
عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللهَ قَدْ
بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ ، وَأَنْزَلَ
عَلَيْهِ الْكِتَابَ ، فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ ،
قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا ، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ
زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ
فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللهُ ، وَإِنَّ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ
اللهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، إِذَا
قَامَتِ الْبَيِّنَةُ ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوِ الِاعْتِرَافُ ” .
وروى مسلم (1692) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: ” رَأَيْتُ مَاعِزَ بْنَ
مَالِكٍ حِينَ جِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ
قَصِيرٌ ، أَعْضَلُ ، لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ
مَرَّاتٍ أَنَّهُ زَنَى ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(فَلَعَلَّكَ؟) قَالَ: لَا، وَاللهِ إِنَّهُ قَدْ زَنَى ، قَالَ : فَرَجَمَهُ ..) .
قال ابن القيم رحمه الله :
” اَلَّذِينَ رَجَمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
الزِّنَا مَضْبُوطُونَ مَعْدُودُونَ، وَقِصَصُهُمْ مَحْفُوظَةٌ مَعْرُوفَةٌ. وَهُمْ
: الْغَامِدِيَّةُ، وَمَاعِزٌ، وَصَاحِبَةُ الْعَسِيفِ، وَالْيَهُودِيَّانِ ” .
انتهى من “الطرق الحكمية” (ص 53) .

أما القطع : فقد قطع النبي
صلى الله عليه وسلم يد السارق والسارقة :
روى البخاري (6788) ، ومسلم (1688) عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ” أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي
سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ
الْفَتْحِ ، فَقَالُوا : مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ
زَيْدٍ ، حِبُّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأُتِيَ بِهَا
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ
بْنُ زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
فَقَالَ: ( أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟! ) ، فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ
: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ ، قَامَ رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاخْتَطَبَ ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا
هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ: ( أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا
سَرَقَ فِيهِمِ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَإِنِّي وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ
يَدَهَا ) ، ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقُطِعَتْ
يَدُهَا ” .
وعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ : ” أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ بُرْدَةً ، فَرَفَعَهُ
إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ ، فَقَالَ
: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْهُ. قَالَ: ( فَلَوْلَا كَانَ هَذَا
قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ يَا أَبَا وَهْبٍ ) ، فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” .
رواه أبو داود (4394) والنسائي (4879) – واللفظ له – وصححه الألباني في “صحيح
النسائي” .
ثالثا :
قول القائل : ” لم يُقطع في تاريخ الخلافة الإسلامية حتى نهاية خلافة العباسيين في
السرقة إلا تسعة فقط ” ادعاء غير صحيح بالمرة ؛ فإن هذه الإحصائية لا يمكن حصرها
لاتساع الممالك الإسلامية وكثرة البلاد والأمصار ، فيتعذر الإحصاء في كل هذه
البلدان ، وعبر هذه الأزمنة المتطاولة ، ولم نعلم في التاريخ أن الخلفاء وولاتهم
كانوا يحصون عدد المقطوعين في حد السرقة في كل بلد صغير أو كبير ، هذا أمر لا يمكن
حصوله ، فضلا عن أن يقال : قد أحصوهم جميعا ، وهم تسعة !
والمقطوع به أن المقطوعين في حد السرقة خلال هذه المدة أكثر من ذلك بكثير جدا.
فهذا قول لا يلتفت إليه ولا يعول عليه .

ثم ما المعنى الذي يريده هذا
القائل من وراء ذلك ، وقد ثبت في كتاب الله وسنة رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، ولم
يخالف في وجوبه أحد من أهل العلم والدين ؟!

وينظر للاستزادة : جواب
السؤال رقم : (9935)
، (14312) .

والله تعالى أعلم .