امرأة أسقطت جنينا في شهرها الثالث ، وظنت أن الدم دم نفاس فتركت الصلاة لمدة تتراوح من أسبوع إلى عشرة أيام حتى انقطع عنها الدم ثم صلت بعد انقطاع الدم .. ومضى على هذا عدة سنوات … هل عليها قضاء الأيام التي تركت الصلاة فيها ؟ وإذا كان عليها القضاء ، فهل تقضيها سردا ؟ أم كل صلاة مع نظيرتها ؟

الحمد لله
أولا :
إذا أسقطت المرأة فلا يعتبر الدم النازل منها دم نفاس إلا إذا أسقطت ما تبين فيه
خلق الإنسان.
والتخليق لا يبدأ في الحمل قبل واحد وثمانين يوماً ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم
: ( إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ،
ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ،
ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ
اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ، ثُمَّ يُنْفَخُ
فِيهِ الرُّوح) رواه البخاري (3208)
.
فدل هذا الحديث على أن الإنسان يمر بعدة مراحل في الحمل :
أربعين يوماً نطفة ، ثم أربعين أخرى علقة ، ثم أربعين ثالثة مضغة . ثم ينفخ فيه
الروح بعد تمام مائة وعشرين يوماً .
والتخليق يكون في مرحلة المضغة ، ولا يكون قبل ذلك ، لقول الله تعالى : ( يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ
مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ
مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ)
الحج/5
.
فوصف الله تعالى المضغة بأنها مخلقة وغير مخلقة .
ومعنى التخليق أن تظهر في الحمل آثار تخطيط الجسم كالرأس والأطراف ونحو ذلك .
وعلى هذا ؛ فإن كان السقط نزل قبل واحد وثمانين يوماً من الحمل فالدم النازل ليس
بدم نفاس ، بل هو دم استحاضة فلا يمنعها من الصلاة والصوم .
وإن كان قد نزل بعد أن تم له ثمانون يوما ، فإن ظهر فيه التخليق فهو نفاس ، وإن لم
يظهر فيه شيء ، فليس بنفاس .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في رسالة “الدماء الطبيعية للنساء” ص 40 :
“ولا يثبت النفاس إلا إذا وضعت ما تبين فيه خلق إنسان ، فلو وضعت سقطاً صغيراً لم
يتبين فيه خلق إنسان فليس دمها دم نفاس ، بل هو دم عرق ، فيكون حكمها حكم الاستحاضة
، وأقل مدة يتبين فيها خلق إنسان ثمانون يوماً من ابتداء الحمل ، وغالبها تسعون
يوماً” انتهى
.
وعند الشك أو الجهل بالحال : هل تم التخليق أم لا ؟ فالأصل أنه لم يتم التخليق ،
فلا يحكم بأنه نفاس مع الشك .
ثانيا :
إذا لم يكن الدم نفاسا ، لعدم تخلق الجنين ، وتركت المرأة الصلاة ظنا منها أنه نفاس
، فلا قضاء عليها عند جماعة من أهل العلم .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ” المستحاضة إذا مكثت مدة لا تصلي لاعتقادها
عدم
وجوب الصلاة عليها ، ففي وجوب القضاء عليها قولان ، أحدهما : لا إعادة عليها – كما
نقل عن مالك وغيره – ؛ لأن المستحاضة التي قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : (إني
حضت حيضةً شديدةً كبيرةً منكرةً منعتني الصلاة والصيام) أمرها بما يجب في المستقبل
، ولم يأمرها بقضاء صلاة الماضي ” انتهى من
“مجموع الفتاوى” ( 21 /102 ) .
وإذا قضت تلك الصلوات ، فهو أحوط وأبرأ لذمتها .
وإذا قضتها فإنها تصليها جميعا سردا على قدر استطعتها ، وترتبها ، فتصلي الصلوات
الخمس عن اليوم الأول ، ثم عن الثاني ، ثم عن الثالث ، حتى تقضي ما عليها ، ولا
يجوز أن تصلي كل صلاة مع نظيرتها ، فإن شق عليها صلاتها جميعاً في وقت واحد ، فإنها
تصلي ما تستطيع ثم تستريح ساعة أو ساعتين ، ثم تكمل …. وهكذا .
والله أعلم .