الجواب :
الحمد لله
الإحسان إلى الحيوان من محاسن الأخلاق التي جاء الإسلام بها ، وتواترت في شأنها
الأحاديث النبوية الشريفة ، من ذلك ما صح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( بَيْنَا رَجُلٌ
بِطَرِيقٍ ، اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ ، فَوَجَدَ بِئْرًا ، فَنَزَلَ فِيهَا ،
فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ
العَطَشِ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ
الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي ، فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلاَ خُفَّهُ مَاءً ، فَسَقَى
الكَلْبَ ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ) ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ
، وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ لَأَجْرًا ؟ فَقَالَ : ( فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ
رَطْبَةٍ أَجْرٌ ) رواه البخاري (2466) ومسلم (2244) .
يقول ابن بطال رحمه الله :
” في هذه الأحاديث الحض على استعمال الرحمة لجميع البهائم والرفق بها ، وأن ذلك مما
يغفر الله به الذنوب ، ويكفر به الخطايا ، فينبغي لكل مؤمن عاقل أن يرغب في الأخذ
بحظه من الرحمة ، ويستعملها في أبناء جنسه ، وفي كل حيوان ، فلم يخلقه الله عبثًا ،
وكل أحد مسئول عما استرعيه وملكه من إنسان أو بهيمة لا تقدر على النطق وتبيين ما
بها من الضر ، وكذلك ينبغي أن يرحم كل بهيمة وإن كانت في غير ملكه ، ألا ترى أن
الذي سقى الكلب الذى وجده بالفلاة لم يكن له ملكًا ، فغفر الله له بتكلفه النزول في
البئر ، وإخراجه الماء في خفه ، وسقيه إياه ، وكذلك كل ما في معنى السقي من الإطعام
، ألا ترى قوله عليه السلام : ( ما من مسلم غرس غرسًا فأكل منه إنسان أو دابة إلا
كان له صدقة ) مما يدخل في معنى سقي البهائم وإطعامها التخفيف عنها في أحمالها ،
وتكليفها ما تطيق حمله ، فذلك من رحمتها والإحسان إليها ، ومن ذلك ترك التعدي في
ضربها وأذاها وتسخيرها في الليل وفي غير أوقات السخرة ” انتهى من ” شرح صحيح
البخاري ” (9/ 219) .
ويقول الإمام النووي رحمه الله :
” ( في كل كبد رطبة أجر ) معناه : في الإحسان إلى كل حيوان حي بسقيه ونحوه : أجر ،
ففي هذا الحديث الحث على الإحسان إلى الحيوان المحترم ، وهو ما لا يؤمر بقتله ،
فأما المأمور بقتله فيمتثل أمر الشرع في قتله ، والمأمور بقتله الكلب العقور ،
والفواسق الخمس المذكورات في الحديث وما في معناهن ، وأما المحترم فيحصل الثواب
بسقيه والإحسان إليه أيضا بإطعامه وغيره ، سواء كان مملوكا أو مباحا ، وسواء كان
مملوكا له أو لغيره ” .
انتهى من ” شرح مسلم ” (14/241) .
وعليه : فلا حرج عليك في علاج الكلاب التي يأتي بها الناس إلى عيادتك ، فأنت بذلك
تقدم الإحسان والمعروف ، وإن احتسبت الأجر عند الله نرجو أن تنال الأجر العظيم
الوارد في الحديث السابق ، ولا يضرك أن بعض من يأتي إليك لا يحل لهم اقتناء الكلب ،
فلست مكلفا بالتفتيش عن كل زائر وسبب اقتنائه للكلب الذي جاءك به ، بل تقصد في
عيادتك علاج الكلاب الجائز اقتناؤها ، ونصيحة من يقتنيها لغير حاجة بحرمة ذلك وضرره
الصحي .
وعلى فرض كون أكثر الكلاب مما لا حاجة لاقتنائه فذلك لا يحرِّم علاجها أو فحصها
والعناية بها ، وما ورد في السنة ، وسبق تقريره في الفتوى رقم : (159518)
، (171806) من
قتل الكلاب إنما هو مقيد بالمؤذية بسبب عقرها أو شيطنتها ، فمثل هذا لا يجوز
اقتناؤه ، ولا علاجه ، ولا العناية به ؛ لأن ذلك مضاد لمقصود الشارع من قتله ، وكف
أذاه ، وأما غير المؤذية فلا تقتل ، بل يحسن إليها وتترك بحالها ، إلا ما جاز
اقتناؤه مما توفرت له الحاجة ، كالصيد والحراسة ونحو ذلك .
وفي جميع الأحوال ننصحك بلبس القفازات ، والتوقي من رطوبتها من عرق أو لعاب أو بول
ونحوه ، فكلها نجسة يجب غسلها سبع مرات إحداهن بالتراب ، كما سبق بيانه في موقعنا ،
في الأجوبة الآتية : (13356)
، (41090) ، (46314)
، (119063) .
والله أعلم .