الجواب :
الحمد لله
المؤمن حسن الخلق ، طيب المعشر، لين الجانب ، باسم الوجه ، يألف الناس ويألفونه ،
يجدون في خصاله الحسنة صفات أهل الإسلام ، وعنوان الالتزام بشرائع الدين ، فلا هو
بالفظ الغليظ ، ولا هو بالرخو السخيف ، ولا يرضي الناس بسخط الله ، ولا يخاف في
الله لومة لائم ، لا تمنعه الاستقامة من الابتسامة ، ولا تحجزه عن الدعابة والطرفة
المليحة ، ولا تدعوه إلى الاعتزال عن الناس وعدم مخالطتهم ، ولكنه يخالط الناس
ويسلم عليهم ويبتسم إليهم ويصافحهم ويمازحهم ويحسن معاشرتهم ، ويجعل من ذلك سبيلا
إلى دعوتهم ونصحهم وإرشادهم ، فهو قريب من الناس غير بعيد عنهم ، يعايشهم ،
ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم ، فتجده لأخيه المسلم أخا معينا ، وصاحبا وفيا ، وصديقا
حميما ، يفرح لفرحه ، ويحزن لحزنه ، ويواسيه إذا أصابه مكروه ، فلا تجد أحدا هو
أنفع للناس من المسلم المتأدب بأدب الشريعة السمحة .
وقد دلت السنة على جملة هذه
الآداب الكريمة ، والأخلاق الحسنة ، نذكر منها طرفا يسيرا :
فروى الطبراني في “المعجم الأوسط” (4422) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ
إِيمَانًا أَحَاسِنُهُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ
يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ )
وحسنه الألباني في “الصحيحة “(751) .
ومعنى (الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا) أي : اللينون الذين لا يتأذى بهم من يصاحبهم .
وروى البزار (9319) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ
بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ)
.
وحسنه الألباني في “صحيح الترغيب” (2661).
وروى البخاري (6927) ، ومسلم (2593) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ
الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ ، وَمَا لَا
يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ) .
وروى الترمذي (2488) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ
عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ، عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ
هَيِّنٍ سَهْلٍ) .
وصححه الألباني في “صحيح الترمذي” .
وروى مسلم (2626) عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ
تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ) .
وروى الترمذي (1956) عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ )، وصححه
الألباني في “صحيح الترمذي”.
وروى الترمذي (1984) عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: ( إِنَّ فِي الجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا
وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا) ، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( لِمَنْ أَطَابَ الكَلَامَ ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ ،
وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ) .
وحسنه الألباني في “صحيح الترمذي”.
وروى البخاري (12) ، ومسلم (39) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا ” أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ
الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟ قَالَ: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى
مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) ” .
وروى البخاري (6035) ، ومسلم (2321) عن عبد الله بن عمرو عن رَسُول اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا )
.
قال النووي رحمه الله :
” فِيهِ الْحَثّ عَلَى حُسْن الْخُلُق ، وَبَيَان فَضِيلَة صَاحِبه ، وَهُوَ صِفَة
أَنْبِيَاء اللَّه تَعَالَى وَأَوْلِيَائِهِ ، قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ :
حَقِيقَة حُسْن الْخُلُق بَذْل الْمَعْرُوف , وَكَفّ الْأَذَى , وَطَلَاقَة
الْوَجْه .
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : هُوَ مُخَالَطَة النَّاس بِالْجَمِيلِ وَالْبِشْر ،
وَالتَّوَدُّد لَهُمْ ، وَالْإِشْفَاق عَلَيْهِمْ , وَاحْتِمَالهمْ ، وَالْحِلْم
عَنْهُمْ , وَالصَّبْر عَلَيْهِمْ فِي الْمَكَارِه ، وَتَرْك الْكِبْر
وَالِاسْتِطَالَة عَلَيْهِمْ ، وَمُجَانَبَة الْغِلَظ وَالْغَضَب ، وَالْمُؤَاخَذَة
” انتهى .
فما عزمت عليه وشرعت فيه من
معاودة الابتسامة ، واستعادة الثقة ، وحسن العشرة ، وحضور الدعابة ، والاختلاط
بالناس ، في حدود الشرع ، بغير إفراط ولا تفريط ، مع استصحاب النية في ذلك لدعوتهم
ونصحهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر : سداد في الرأي ، وحكمة في التعامل ،
وخطوة جادة في طريق الدعوة .
ومن تحلى بخلق أهل الإسلام ، فخالق الناس بخلق حسن ، وخالطهم ، وتقرب إليهم ، يفعل
ذلك ابتغاء وجه الله ، وليتسنى له أن يدعوهم وينصحهم ، فهو مأجور من جهتين : من جهة
التحلي بالخلق الحسن ، ومن جهة التقرب إلى الناس وفعل ذلك لدعوتهم ، لا ليصيب منها
عرضا ، أو يقضي منها وطرا .
وانظر السؤال رقم : (122505)،
والسؤال رقم : (114437) .
والله أعلم .
