هل ابن عمتي يعتبر من رحمي الذي يجب على صلته؟
الحمد لله
لاشك أن ابن عمتك من جملة الأرحام الذين ينبغي صلتهم والإحسان إليهم ، وبذل المودة
لهم ، لكن هل هو من الرحم التي يجب صلتها ؟ فيه خلاف بين الفقهاء ، وبيان ذلك أن
الرحم نوعان : رحم مَحْرَم ، ورحم غير مَحْرَم . وضابط الرحم المَحرَم : كل شخصين
لو كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى لم يجز لهما أن يتناكحا ، كالآباء والأمهات والإخوة
والأخوات والأجداد والجدات وإن علوا ، والأولاد وأولادهم وإن سفلوا ، والأعمام
والعمات ، والأخوال والخالات.
وأما أبناء الأعمام والعمات والأخوال والخالات ، فليسوا من الرحم المَحرَم ، لجواز
التناكح بينهم .
والرحم غير المَحرَم : ما عدا ذلك من الأقارب ، كابن عمتك ، وبنت عمتك ، وابن خالك
، وبنت خالك ، وهكذا .
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن الرحم التي يجب صلتها : هي الرحم المحرم فقط ، وأما غير
المَحْرَم ، فتستحب صلتها ولا تجب ، وهذا قول للحنفية ، وغير المشهور عند المالكية
، وقول أبي الخطاب من الحنابلة ، وحجتهم أنها لو وجبت لجميع الأقارب لوجب صلة جميع
بني آدم ، وذلك متعذر ، فلم يكن بد من ضبط ذلك بقرابة تجب صلتها وإكرامها ويحرم
قطعها , وتلك قرابة الرحم المحرم .
واستدلوا كذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : (لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى
عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا) رواه البخاري ومسلم (1408) واللفظ له
. قال الحافظ ابن حجر : “وزاد الطبراني من حديث ابن عباس : (فإنكم إذا فعلتم ذلك
فقد قطعتم أرحامكم) وصححه ابن حبان ، ولأبي داود في المراسيل عن عيسى بن طلحة نهي
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة”
انتهى من “الدراية في تخريج أحاديث الهداية” (2/56) .
ووجه الاستدلال بهذا الحديث ، ما بينه بعض المالكية رحمهم الله ، قال القرافي :
“المسألة الثامنة في بيان الواجب من صلة الرحم : قال الشيخ الطرطوشي : قال بعض
العلماء : إنما تجب صلة الرحم إذا كان هناك محرمية ، وهما كل شخصين لو كان أحدهما
ذكرا والآخر أنثى لم يتناكحا كالآباء والأمهات والإخوة والأخوات والأجداد والجدات
وإن علوا ، والأولاد وأولادهم وإن سفلوا ، والأعمام والعمات والأخوال والخالات ،
فأما أولاد هؤلاء فليست الصلة بينهم واجبة لجواز المناكحة بينهم ، ويدل على صحة هذا
القول تحريم الجمع بين الأختين والمرأة وعمتها وخالتها لما فيه من قطيعة الرحم ،
وترك الحرام واجب ، وبرهما وترك إذايتهما واجبة ، ويجوز الجمع بين بنتي العم وبنتي
الخال وإن كن يتغايرن ويتقاطعن ، وما ذاك إلا أن صلة الرحم بينهما ليست واجبة ”
انتهى من “الفروق” (1/147) .
والقول الثاني في المسألة : أنه يجب صلة الرحم كلها ، لا فرق بين المحرَم وغيره ،
“وهو قول للحنفية , والمشهور عند المالكية , وهو نص أحمد , وهو ما يفهم من إطلاق
الشافعية , فلم يخصصها أحد منهم بالرحم المحرم” . “الموسوعة الفقهية
الكويتية” (3/83) .
وينظر : “غذاء الألباب” للسفاريني (1/354) ، “بريقة محمودية” (4/153) .
وفي المسألة أقوال أخرى ، قال في “سبل السلام” (2/628) : “واعلم أنه اختلف العلماء
في حد الرحم التي تجب صلتها فقيل : هي الرحم التي يحرم النكاح بينهما بحيث لو كان
أحدهما ذكرا حرم على الآخر . فعلى هذا لا يدخل أولاد الأعمام ولا أولاد الأخوال .
واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها في النكاح لما يؤدي إليه
من التقاطع .
وقيل : هو من كان متصلا بميراث ، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : (ثم أدناك
أدناك) .
وقيل : من كان بينه وبين الآخر قرابة سواء كان يرثه أو لا .
ثم صلة الرحم كما قال القاضي عياض : درجات بعضها أرفع من بعض ، وأدناها ترك
المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام , ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة ، فمنها
واجب ، ومنها مستحب ، فلو وصل بعض الصلة ولم يصل غايتها لم يسم قاطعا ، ولو قصر عما
يقدر عليه وينبغي له ، لم يسم واصلا .
وقال القرطبي : الرحم التي توصل الرحم عامة وخاصة ، فالعامة رحم الدِّين , وتجب
صلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة .
والرحم الخاصة تزيد بالنفقة على القريب وتفقِّد حاله والتغافلِ عن زلته ”
انتهى .
هذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة ، لكن لا يخفى عليك أيها الأخ الكريم ما
جاء في صلة الرحم من عظيم الثواب ، وما جاء في قطيعتها من أليم العقاب ، وهذا يدعو
إلى تحري صلة الرحم ، والحذر من قطيعتها ، والاحتياطِ للدين ، والخروجِ من الخلاف ،
فبادر بصلة ابن عمتك ، وأحسن إليه قدر استطاعتك ، فإن أجر ذلك لا يضيع عند الله.
وانظر جواب السؤال رقم (12292)
، (22706) ، (4631)
.
وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى .
والله أعلم .
