قرأت في أحد مواقع الإفتاء عن شاب مارس مع فتاة جميع الأعمال الزوجية إلا الإدخال فقط ، فما حكم ذلك في الدين ؟ وهل عليه حد الزنا ؟ وهل يعتبر أنه زنا بها ؟ وهل زواجه منها يعتبر تكفيرا له ؟ وما عليه فعله كي يتوب ؟ وكان الرد في هذا الموقع أو ما فهمته أنا منه أنه يعتبر زانيا لأن الإقدام على فعل الجرم كفاعله .

الحمد لله

أولا :

يشترط في الزنا الذي يوجب الحد أن يتم الإيلاج ، وهو إدخال حشفة
الذكر في الفرج ، فلو لم يدخلها أو أدخل بعضها فليس عليه الحد . جاء في “الموسوعة
الفقهية” (24/23) في بيان شروط حد الزنا المتفق عليها بين الفقهاء : ” لا خلاف بين
الفقهاء في أنه يشترط في حد الزنا إدخال الحشفة أو قدرها من مقطوعها في الفرج . فلو
لم يدخلها أصلا أو أدخل بعضها فليس عليه الحد لأنه ليس وطئا . ولا يشترط الإنزال
ولا الانتشار عند الإدخال . فيجب عليه الحد سواء أنزل أم لا . انتشر ذكره أم لا ”
انتهى .

ثانيا :

مقدمات الزنا من اللمس والتقبيل ووضع الفرج على الفرج من غير
إيلاج ، لا تأخذ حكم الزنا ، ولا يحد فاعلها حد الزنا ولكنه يعزر ويؤدب ؛ لارتكابه
حراما ومنكرا بينا ، ولما قد تفضي إليه هذه الأعمال من الوقوع في الزنا الحقيقي ،
وقد سمى الشرع هذه الأعمال زنا ، كما في الحديث الذي رواه البخاري (6243) ومسلم
(2657) عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قال : ( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا
أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ ، وَزِنَا اللِّسَانِ
الْمَنْطِقُ ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ
كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ ).

قَالَ اِبْن بَطَّال رحمه الله : ” سُمِّيَ النَّظَر وَالنُّطْق
زِنًا لأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الزِّنَا الْحَقِيقِيّ , وَلِذَلِكَ قَالَ (
وَالْفَرْج يُصَدِّق ذَلِكَ وَيُكَذِّبهُ )” انتهى نقلا عن “فتح الباري”.

وراجع السؤال رقم (81995)
.

ثالثا :

الواجب على من صدرت منه هذه الأعمال أن يتوب إلى الله تعالى توبة
صادقة ، وذلك بالإقلاع عنها ، والندم على فعلها والعزم على عدم العودة إليها ، وترك
الأسباب والوسائل التي تفضي إلى ذلك كالخلوة والنظر والمصافحة .

وأما الزواج من هذه الفتاة ، فإن كانت عفيفة لم تقترف الزنا ، أو
ألمت بذلك ثم تابت إلى الله تعالى فلا حرج في الزواج منها ، ولم نقف على دليل يفيد
أن هذا الزواج يكفّر تلك المعصية ، بل الذي يكفرها هو التوبة إلى الله ، وإصلاح
العمل ، قال الله تعالى : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ
صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ) طـه/82.

رابعا :

لا يصح إطلاق القول بأن الإقدام على فعل الجرم كفعله ، بل هذا
فيه تفصيل :

فمن هم بالمنكر ثم تركه ، كان مأجورا مثابا ، كما في الحديث عَنْ
ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : قَالَ : إِنَّ
اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ
بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً
، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ
حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ ، وَمَنْ هَمَّ
بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً
كَامِلَةً ، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً
وَاحِدَةً ) رواه البخاري (6491) ومسلم (131) .

وإن همّ بالمنكر وعزم عليه وشرع في فعله ، أو سعى في تحصيله ،
لكن لم يتمكن منه ، لأمر خارج عنه ، فهو مأزور غير مأجور ، كما دل عليه حديث : (
إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي
النَّارِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ
الْمَقْتُولِ ؟ قَالَ : إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ )
رواه البخاري (31) ومسلم (2888).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ” وبهذا ينفصل النزاع في
مؤاخذة العبد بالهمة ، فمن الناس من قال : يؤاخذ بها إذا كانت عزما ، ومنهم من قال
: لا يؤاخذ بها ، والتحقيق أن الهمة إذا صارت عزما فلابد أن يقترن بها قول أو فعل ؛
فإن الإرادة مع القدرة تستلزم وجود المقدور .

والذين قالوا يؤاخذ بها احتجوا بقوله : ( إذا التقى المسلمان
بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار ) الحديث ، وهذا لا حجة
فيه [أي على المؤاخذة بمجرد الهم]؛ فإنه ذكر ذلك في رجلين اقتتلا كل منهما يريد قتل
الآخر وهذا ليس عزما مجردا ، بل هو عزم مع فعل المقدور لكنه عاجز عن إتمام مراده ،
وهذا يؤاخذ باتفاق المسلمين ، فمن اجتهد على شرب الخمر وسعى في ذلك بقوله وعمله ،
ثم عجز فإنه آثم باتفاق المسلمين ، وهو كالشارب وإن لم يقع منه شرب . وكذلك من
اجتهد على الزنا والسرقة ونحو ذلك بقوله وعمله ، ثم عجز فهو آثم كالفاعل ، ومثل ذلك
في قتل النفس وغيره ” انتهى من “مجموع الفتاوى” (14/122).

وهذا إنما هو في حصول الإثم واستحقاقا العقوبة في الآخرة ، أما
العقوبة المترتبة على فعل المعصية في الدنيا ، كالحد المترتب على الزنا ، فإنه لا
يعاقب به إلا من زنى حقيقة ، لا من سعى في الزنى ثم عجز عنه .

والله أعلم .