الجواب :
الحمد لله
أولاً :
المساجد بيوت الله ، والواجب أن تصان عن عقود البيع والشراء وغيرها من المعاملات
المالية ؛ فقد روى الإمام أحمد (11/257) ، وأبو داود (1079) من طريق عَمْرُو بْنُ
شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : ( نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْمَسْجِدِ ) ، والحديث
حسنه الترمذي في جامعه ، والنووي في ” رياض الصالحين ” ، وابن حجر في ” نتائج
الأفكار ” (1/ 297) ، وغيرهم من العلماء .

وروى الترمذي (1321) عن أبي
هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ
يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا : لَا أَرْبَحَ اللَّهُ
تِجَارَتَكَ ) ، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في ” الإرواء ” ( 1295 ) .

وللفائدة ينظر جواب السؤال :
(156898) ، وجواب السؤال رقم : (10524)
.

واختلف العلماء رحمهم الله :
هل هذا النهي للتحريم أم الكراهة ، وإذا تم عقد البيع داخل المسجد ، هل يحكم بصحته
أم لا ؟
والذي عليه جمهور العلماء : أن العقد صحيح مع الكراهة .
وذهب الحنابلة ـ في المشهور من المذهب ـ إلى أن عقد البيع في المسجد محرم وباطل ؛
لورود النهي عن البيع في المسجد ، والنهي يقتضي الفساد .

قال الحافظ ابن رجب رحمه
الله : ” وحكى الترمذي في جامعه قولين لأهل العلم من التابعين في كراهة البيع في
المسجد .
والكراهة قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وهو عند أصحابنا كراهة تحريم ، وعند كثير من
الفقهاء كراهة تنزيه ” انتهى من ” فتح الباري ” (3/347) .

وقال ابن هبيرة رحمه الله :
” وَاخْتلفُوا فِي البيع وَالشِّرَاء فِي الْمَسْجِد : فَمنع صِحَّته وجوازه :
أَحْمد ، وَقَالَ أَبُو حنيفَة : البيع جَائِز ، وَيكرهُ إِحْضَار السّلع فِي
الْمَسْجِد وَقت البيع ، وَينفذ البيع مَعَ ذَلِك ، وَأَجَازَهُ مَالك
وَالشَّافِعِيّ مَعَ الْكَرَاهَة ” انتهى من ” اختلاف الأئمة العلماء ” (1/ 348) .
وقال البهوتي رحمه الله : ” فَإِنْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى فِي الْمَسْجِدِ :
فَبَاطِلٌ ، قَالَ أَحْمَدُ : وَإِنَّمَا هَذِهِ بُيُوتُ اللَّهِ لَا يُبَاعُ
فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ الْبَيْعَ ، وَأَجَازَهُ
مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ ” ، انتهى من ” كشاف القناع عن متن
الإقناع ” (2/366) .

وما ذهب إليه جمهور العلماء
من صحة البيع هو الأقرب ؛ لأن النهي يرجع إلى سبب خارج عن ماهية البيع وشروطه ، وقد
رجح هذا القول : ابن قدامة من الحنابلة ، وشيخ الإسلام ابن تيمية .
قال الجصاص رحمه الله : ” وَلَوْ بَاعَ فِيهِ : جَازَ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ
تَعَلَّقَ بِمَعْنًى فِي غَيْرِ العقد ” انتهى من ” أحكام القرآن ” (3/600) .

وقال ابن قدامة رحمه الله :
” فَإِنْ بَاعَ فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَمَّ بِأَرْكَانِهِ ،
وَشُرُوطِهِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ وُجُودُ مُفْسِدٍ لَهُ ، وَكَرَاهَةُ ذَلِكَ لَا
تُوجِبُ الْفَسَادَ ، كَالْغِشِّ فِي الْبَيْعِ وَالتَّدْلِيسِ وَالتَّصْرِيَةِ .
وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قُولُوا : لَا
أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ ) ، مِنْ غَيْرِ إخْبَارٍ بِفَسَادِ الْبَيْعِ :
دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهِ ” انتهى من ” المغني ” (6/383) .

وقال ابن خزيمة رحمه الله :
” لَوْ لَمْ يَكُنِ الْبَيْعُ يَنْعَقِدُ ، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ ) مَعْنًى ” انتهى من ”
صحيح ابن خزيمة ” (2/ 274) .

وقال المرداوي رحمه الله : ”
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : يَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ” انتهى من ”
الإنصاف” (3/386) .

بل قال ابن بطال رحمه الله :
” وقد أجمع العلماء أن ما عُقد من البيع في المسجد : أنه لا يجوز نقضه ، إلا أن
المسجد ينبغي أن يُجنب جميع أمور الدنيا ” انتهى من ” شرح صحيح البخارى ” (2/105) .

وهذا الإجماع وإن كان في
نقله نظر ، لما سبق من نقل الخلاف عن الحنابلة ، إلا أنه يفيد أن هذا قول عامة
العلماء .