لقد منّ الله علي بالتوبة قبل عام .. واليوم سمعت أن الاستمناء من
المفطرات ، ولم أكن أعرف ذلك سابقاً .. وقد اقترفت هذا الذنب في
رمضان قبل الماضي .. ولا أعلم ماذا أفعل ؟ علماً بأنني لا أعلم
عدد الأيام التي قمت فيها بهذا الذنب .. أرجوكم أفيدوني ماذا علي
فعله ؟.

الحمد لله

أولاً :

الحمد لله الذي مَنَّ عليك بالتوبة ، ونسأله
سبحانه أن يتقبل توبتك ، ويغفر لك ذنبك ، ويلهمك رشدك .

ثانياً :

اختلف العلماء فيمن فعل شيئا من مفسدات الصيام
جاهلا ، هل يفسد صومه بذلك أم لا على قولين :

الأول : أنه يفسد صومه بذلك ، وهو مذهب الشافعي
وأحمد ، إلا أن الشافعي استثنى إذا كان حديث عهد بالإسلام أو
كان ناشئا ببادية بعيدا عن أهل العلم فلا يفسد صومه .

قال النووي في “المجموع” (6/352) :

” إذَا أَكَلَ الصَّائِمُ أَوْ شَرِبَ أَوْ
جَامَعَ جَاهِلا بِتَحْرِيمِهِ – فَإِنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ
بِإِسْلامٍ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ بِحَيْثُ يَخْفَى
عَلَيْهِ كَوْنُ هَذَا مُفْطِرًا – لَمْ يُفْطِرْ ; لأَنَّهُ لا
يَأْثَمُ فَأَشْبَهَ النَّاسِيَ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ النَّصُّ
, وَإِنْ كَانَ مُخَالِطًا لِلْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ لا يَخْفَى
عَلَيْهِ تَحْرِيمُهُ أَفْطَرَ ; لأَنَّهُ مُقَصِّرٌ ” اهـ
.

وانظر “المغني” (4/368) ، “الكافي” (2/244) .

وقد اختار هذا القول علماء اللجنة الدائمة ، فقد
سئلت اللجنة عمن استمنى في نهار رمضان وهو جاهل أن هذا حرام ،
ولا يعلم عدد الأيام التي فعل فيها هذا المحرم . فأجابت
:

” يجب قضاء الأيام التي أفطرتها بسبب العادة
السرية لأنها مفسدة للصيام ، واجتهد في معرفة الأيام التي
أفطرتها ” اهـ .

فتاوى اللجنة الدائمة (10/258) .

والقول الثاني : لا يفسد صومه بذلك كما لا يفسد
صوم الناسي .

وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن
القيم .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في “الفتاوى الكبرى”
(2/19) :

” الصَّائِمُ إذَا فَعَلَ مَا يُفْطِرُ بِهِ
جَاهِلا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ : فَهَلْ عَلَيْهِ الإِعَادَةُ ؟
عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ . . . وَالأَظْهَرُ
أَنَّهُ لا يَجِبُ قَضَاءُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ , وَلا يَثْبُتُ
الْخِطَابُ إلا بَعْدَ الْبَلاغِ , لقوله تعالى : (
لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) . وَقَوْلِهِ : ( وَمَا
كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ) . وَلِقَوْلِهِ
: ( لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
الرُّسُلِ ) وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ مُتَعَدِّدٌ ,
بَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لا يُعَاقِبُ أَحَدًا حَتَّى
يُبَلِّغَهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ . وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ
مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَآمَنَ بِذَلِكَ , وَلَمْ يَعْلَمْ
كَثِيرًا مِمَّا جَاءَ بِهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ عَلَى مَا
لَمْ يَبْلُغْهُ , فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُعَذِّبْهُ عَلَى
تَرْكِ الإِيمَانِ بَعْدَ الْبُلُوغِ , فَإِنَّهُ لا
يُعَذِّبُهُ عَلَى بَعْضِ شَرَائِطِهِ إلا بَعْدَ الْبَلاغِ
أَوْلَى وَأَحْرَى , وَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله
عليه وسلم الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ .
فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ
أَصْحَابِهِ ظَنُّوا أَنَّ قوله تعالى : ( الْخَيْطُ الأَبْيَضُ
مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ ) هُوَ الْحَبْلُ الأَبْيَضُ مِنْ
الْحَبْلِ الأَسْوَدِ . فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَرْبِطُ فِي
رِجْلِهِ حَبْلا . ثُمَّ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ هَذَا
مِنْ هَذَا فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ
الْمُرَادَ بَيَاضُ النَّهَارِ , وَسَوَادُ اللَّيْلِ . وَلَمْ
يَأْمُرْهُمْ بِالإِعَادَةِ اهـ .

وقال ابن القيم في “إعلام الموقعين” (4/66)
:

” وَقَدْ عَفَا (يعني النبي صلى الله عليه وسلم)
عَمَّنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي نَهَارِ الصَّوْمِ عَمْدًا
غَيْرَ نَاسٍ لَمَّا تَأَوَّلَ الْخَيْطَ الأَبْيَضَ
وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ بِالْحَبْلَيْنِ الْمَعْرُوفَيْنِ ,
فَجَعَلَ يَأْكُلُ حَتَّى تَبَيَّنَا لَهُ وَقَدْ طَلَعَ
النَّهَارُ , وَعَفَا لَهُ عَنْ ذَلِكَ , وَلَمْ يَأْمُرْهُ
بِالْقَضَاءِ , لِتَأْوِيلِهِ اهـ .

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى عن شاب
استمنى في رمضان جاهلاً بأنه يفطر وفي حالة غلبت عليه شهوته ،
فما الحكم ؟

فأجاب :

الحكم أنه لا شيء عليه، لأننا قررنا فيما سبق
أنه لا يفطر الصائم إلا بثلاثة شروط : العلم ، والذكر ،
والإرادة . راجع السؤال (38023)
.

ولكني أقول: إنه يجب على الإنسان أن يصبر عن
الاستمناء، لأنه حرام لقول الله تعالى: ( وَالَّذِينَ هُمْ
لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ
ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ
) المؤمنون/5-7.

ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يَا
مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ
فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ
فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ) رواه البخاري (5065) ومسلم
(1400) .

ولو كان الاستمناء جائزاً لأرشد إليه النبي صلى
الله عليه وسلم ، لأنه أيسر على المكلف ، ولأن الإنسان يجد فيه
متعة ، بخلاف الصوم ففيه مشقة ، فلما عدل النبي صلى الله عليه
وسلم إلى الصوم ، دل هذا على أن الاستمناء ليس بجائز اهـ
.

“مجموع فتاوى ابن عثيمين” (19/981) .

والأحوط لك أن تقضي تلك الأيام ، واجتهد في
تحديد عددها بما يغلب على ظنك .

قال الشيخ ابن باز في “مجموع الفتاوى” (15/304)
:

“أما من جامع في نهار رمضان وهو ممن يجب عليه
الصيام ، لكونه بالغا صحيحا مقيما ، جهلا منه ، فقد اختلف أهل
العلم في شأنه ، فقال بعضهم : عليه الكفارة ؛ لأنه مفرط في عدم
السؤال والتفقه في الدين ، وقال آخرون من أهل العلم : لا كفارة
عليه من أجل الجهل ، وبذلك تعلم أن الأحوط لك هو الكفارة ، من
أجل تفريطك وعدم سؤالك عما يحرم عليك قبل أن تفعل ما فعلت” اهـ
.

فأمره بالكفارة احتياطاً ، ووجوب الكفارة هنا
لأنه أفطر بالجماع ، والكفارة لا تجب بشيء من مفسدات الصيام إلا
بالجماع في نهار رمضان ، كما تقدم في إجابة السؤال (38023) .