السؤال :
ما هي الأدلة على وجوب الزكاة في عروض التجارة ؟ لأني سمعت أن هناك من العلماء من أنكر وجوب الزكاة فيها .

الجواب :

الحمد لله

ذهب
جماهير العلماء (ومنهم الأئمة الأربعة : أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم
الله) إلى وجوب الزكاة في عروض التجارة .

 

وقد
استدلوا على ذلك بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة .

 

فمن
هذه الأدلة :

1-  

قوله تَعَالَى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا
كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) . البقرة/267 . قَالَ
مُجَاهِد : نَزَلَتْ فِي التِّجَارَة .

 

2-  

وعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قَالَ : (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنْ
الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ) . رواه أبو داود (1562) وحسنه ابن عبد البر. ضعفه
الألباني في الإرواء (827) ، وقال الحافظ في “التلخيص” (2/391) : في إسناده جهالة
اهـ . وقال النووي في “المجموع” (6/5) : في إسناده جماعة لا أعرف حالهم .

 

 

3-  

وروى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِم عَنْ أَبِي ذَرّ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْت
رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (فِي الْإِبِل
صَدَقَتهَا ، وَفِي الْغَنَم صَدَقَتهَا ، وَفِي الْبَقَر صَدَقَتهَا ، وَفِي
الْبَزِّ صَدَقَته . . . الْحَدِيث) . قال الحافظ في “التلخيص” (2/391) : إسناده لا
بأس به اهـ . وصححه النووي في المجموع (6/4) .

       وَالْبَزُّ بِالْبَاءِ وَالزَّاي (الثياب أو نوع منها) . كَذَا ضَبَطَهُ
الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ . وَالْحَدِيث            صَحَّحَهُ الْحَاكِم
وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْره. وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَمِنْ النَّاس مَنْ صَحَّفَهُ
بِضَمِّ الْبَاءِ وَبِالرَّاءِ وَهُوَ

غَلَطٌ اهـ .

فهذا الحديث دليل على وجوب الزكاة في عروض التجارة ، لأن الثياب لا زكاة فيها إلا
إذا كانت للتجارة ، فتعين حمل الحديث على ذلك .

 

4-  

وروى البخاري (1468) ومسلم (983) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ :
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ عَلَى
الصَّدَقَةِ ، فَقِيلَ : مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ،
وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ
إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ ! وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ
تَظْلِمُونَ خَالِدًا ، قَدْ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا) .

 

قال
النووي في “شرح مسلم” :

“قَالَ أَهْل اللُّغَة : الْأَعْتَاد : آلَات الْحَرْب مِنْ السِّلَاح وَالدَّوَابّ
وَغَيْرهَا , وَمَعْنَى الْحَدِيث : أَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْ خَالِد زَكَاة
أَعْتَادِهِ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا لِلتِّجَارَةِ , وَأَنَّ الزَّكَاة فِيهَا
وَاجِبَة , فَقَالَ لَهُمْ : لَا زَكَاة لَكُمْ عَلَيَّ , فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ
صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ خَالِدًا مَنَعَ الزَّكَاة , فَقَالَ
لَهُمْ : إِنَّكُمْ تَظْلِمُونَهُ ; لِأَنَّهُ حَبَسَهَا وَوَقَفَهَا فِي سَبِيل
اللَّه قَبْل الْحَوْل عَلَيْهَا , فَلَا زَكَاة فِيهَا .

وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد : لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاة لَأَعْطَاهَا
وَلَمْ يَشِحَّ بِهَا ; لِأَنَّهُ قَدْ وَقَف أَمْوَاله لِلَّهِ تَعَالَى
مُتَبَرِّعًا فَكَيْف يَشِحّ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ ؟ وَاسْتَنْبَطَ بَعْضهمْ مِنْ
هَذَا وُجُوب زَكَاة التِّجَارَة , وَبِهِ قَالَ جُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ
السَّلَف وَالْخَلَف خِلَافًا لِدَاوُدَ” اهـ .

 

5-  

وروى الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَعَبْد الرَّزَّاق وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي
عَمْرو بْن حِمَاس عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : كُنْت أَبِيعُ الْأُدْمَ فَمَرَّ
بِي عُمَر بْن الْخَطَّاب فَقَالَ لِي : أَدِّ صَدَقَة مَالِك , فَقُلْت : يَا
أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّمَا هُوَ فِي الْأُدْم , فَقَالَ : قَوِّمْه ثُمَّ
أَخْرَجَ صَدَقَته . وضعفه الألباني في “إرواء الغليل” (828) لجهالة أبي عمرو بن
حماس. ولكن يشهد له الأثر الثاني .

 

6-  

وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيّ قَالَ : كُنْت عَلَى بَيْتِ
الْمَالِ زَمَانَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , فَكَانَ إذَا خَرَجَ الْعَطَاءُ جَمَعَ
أَمْوَالَ التُّجَّارِ ثُمَّ حَسَبَهَا , غَائِبَهَا وَشَاهِدَهَا , ثُمَّ أَخَذَ
الزَّكَاةَ مِنْ شَاهِدِ الْمَالِ عَنْ الْغَائِبِ وَالشَّاهِدِ . صححه ابن حزم في
“المحلى” (4/40) .

 

7-  

وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ اِبْن عُمَر رضي الله عنهما قَالَ : (لَيْسَ فِي
الْعَرُوض زَكَاةٌ إِلَّا مَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ) . صححه ابن حزم في “المحلى”
(4/40). والنووي في “المجموع” (6/5) .

 

وهذه الأدلة بمجموعها تدل على صحة الحكم ، وإن كان كل دليل منها قد يكون فيه مناقشة
، لكن اجتماع الأدلة يعطيها قوة .

 

ولهذا ذهب إلى القول بوجوب الزكاة في عروض التجارة جماهير العلماء ، واعتبر القول
بعدم وجوبها شاذاً .

 

حتى
نقل ابن المنذر رحمه الله الإجماع على وجوبها ، واعتبر قول أهل الظاهر – الذين
قالوا بعدم وجوب الزكاة فيها – اعتبره قولاً شاذاً خارجاً عن الإجماع .

 

قال
شيخ الإسلام رحمه الله : “والأئمة الأربعة وسائر الأمة – إلا من شذّ –  متفقون على
وجوبها في عرض التجارة ، سواء كان التاجر مقيماً أو مسافراً . وسواء كان متربصاً –
وهو الذي يشتري التجارة وقت رخصها ويدخرها إلى وقت ارتفاع السعر – أو مديراً
كالتجار الذين في الحوانيت . سواء كانت التجارة بزاً من جديد ، أو لبيس ، أو طعاماً
من قوت أو فاكهة . أو أدم أو غير ذلك ، أو كانت آنية كالفخار ونحوه ، أو حيواناً من
رقيق أو خيل ، أو بغال ، أو حمير ، أو غنم معلوفة ، أو غير ذلك ، فالتجارات هي أغلب
أموال أهل الأمصار الباطنة ، كما أن الحيوانات الماشية هي أغلب الأموال الظاهرة”
انتهى . 

“مجموع فتاوى ابن تيمية” (25/45) .

 

والله أعلم