أنا متزوجة منذ سنة ، وأعتبر الثانية ، وزوجة زوجي الأولى لم تكن تعرف أن زوجها قد تزوج الثانية ، صارت ظروف مفاجئة وعرفت بزواجه بي ، ولم تتقبل الأمر إطلاقا ، مما اضطر الزوج إلي ملازمة بيته الأول يوميا ، وترك البيت الثاني إلى أن تهدأ الأوضاع .
هل يجوز أن ترغمه الزوجة الأولى على تطليقي ، أو تطليقها ؟ وهل أنا مأجورة على الصبر إلى أن تهدا الأوضاع ، مع أني في بلاد ليس لي فيها غير زوجي ، وأنا حامل ؟ هل الزوج آثم في إهمال بيته الثاني ، إرضاء للأولى ؟ أنا صابرة ومتوكلة على الله ، وتنتابني أحيانا نوبات من الخوف من ضياع حياتي وأسرتي . فماذا علي أن أفعل ؟

الجواب :

الحمد لله

أوجب الله العدل في كل شيء ، ونهى عن الظلم في كل شيء ، ويتأكد ذلك في حق الأواصر
التي تقوم عليها المجتمعات الإسلامية ، كالعدل بين الأولاد ، والعدل بين الزوجات ،
وقد روى أبو داود (2133) وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ
إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ ) صححه الألباني
في “صحيح الجامع” (6515) .

والعدل بين الزوجات واجب في المسكن والمأكل والملبس والمبيت ، بل وفي كل شيء ظاهر ،
يمكنه العدل فيه . 

وعلى ذلك كان حال السلف :

فعن
جابر بن زيد قال : كانت لي امرأتان وكنت أعدل بينهما حتى في القبل .

وعن
مجاهد قال : كانوا يستحبون أن يعدلوا بين النساء ، حتى في الطيب يتطيب لهذه كما
يتطيب لهذه .

وكان محمد بن سيرين يقول فيمن له امرأتان : يُكره أن يتوضأ في بيت إحداهما دون
الأخرى

“المصنف” لابن أبي شيبة (4/37)

 

قال
الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :


القول الصحيح في العدل بين الزوجات أنه يجب على الزوج أن يعدل بينهن في كل ما يمكنه
العدل فيه ، سواءٌ من الهدايا أو النفقات ، بل وحتى الجماع إن قدر : يجب عليه أن
يعدل فيه ” انتهى .

“فتاوى نور على الدرب” (10/252)

وقال الشيخ الفوزان :


يجب على الزوج أن يعدل بين زوجاته في الإنفاق والمسكن والكسوة والقسم في المبيت ،
كل هذا مما يجب عليه العدل بين الزوجات ، ولا فرق بين غنية وفقيرة، لأن الكل زوجات
له واجب عليه أن يعدل بينهما ” انتهى .

“المنتقى من فتاوى الفوزان” (89/24)

 

ثانيا :

لا
شيء على الزوج إذا تزوج على الأولى بدون علمها ، ولكن عليه – كما تقدم بيانه –
العدل بينهما .

وقد
سئل الشيخ ابن عثيمين عن رجل توفي وترك زوجةً وأولاداً ، وبعد وفاته علمت الزوجة
والأسرة بأنه كان متزوجاً بامرأة أخرى منذ عدة سنوات ، دون علم الزوجة الأولى
والأولاد؛ فهل يأثم المتوفى على إخفاء خبر زواجه على أهله ؟

فأجاب رحمه الله تعالى : ” لا يأثم المتوفى على إخفاء تزوجه بالمرأة ، لكن يجب
إعلان النكاح لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك . فإذا كان النكاح
معلناً كما لو كان نكاحاً في قرية أخرى ، وأعلن في القرية فإنه يكفي ، وإن أخفى ذلك
على أهله وعلى زوجته الأولى “

انتهى .

“فتاوى نور على الدرب” (10/261)

 

ثالثا :

لا
يجوز للأولى أن ترغم الزوج ، أو تحاول إرغامه ، أو تطلب منه طلاق الأخرى :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(
لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا
فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا )

رواه البخاري (5152) ، ومسلم (1408) .

قال
ابن عبد البر :


في هذا الخبر من الفقه أنه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يطلق ضرتها لتنفرد به
، فإنما لها ما سبق به القدر عليها ، لا ينقصها طلاق ضرتها شيئا مما جرى به القدر
لها ، ولا يزيدها ” انتهى .

“التمهيد” (18/165)

وقال ابن القيم رحمه الله : “وتضمن حكمه صلى الله عليه وسلم بطلان اشتراط المرأة
طلاق أختها ، وأنه لا يجب الوفاء به ” انتهى . “زاد المعاد” (5/107)

 

وسئلت اللجنة الدائمة عن رجل تزوج بامرأة ثم أراد زواج أخرى ، فاشترطت الأخرى طلاق
الأولى ؟

فأجابت :


لا يلزمك الوفاء بالشرط ، وهو طلاق زوجتك الأولى ؛ لأنه شرط فاسد ” انتهى .

“فتاوى اللجنة الدائمة” (18/398)

 

وقال الشيخ ابن عثيمين :


إذا قالوا : نزوجك بشرط أن تطلق زوجتك التي معك ، فهذا شرط باطل ، ولا يجوز الوفاء
به ، ولا يلزمه أن يوفي به ، وليس للزوجة الجديدة ولا لوليها أن يفسخوا النكاح إذا
لم يطلق المرأة ، وذلك لأنه شرط باطل ” انتهى بمعناه .

“اللقاء الشهري” (47/18)

وانظر “فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم” (10/106-107) – “الشرح الممتع” (12/72)

 

كما أنه لا يجوز لها أن تطلب الطلاق لنفسها منه لمجرد زواجه الثاني
، وذلك لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أَيُّمَا امْرَأَةٍ
سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ
الْجَنَّةِ ” رواه الترمذي (1187) وحسنه ، وصححه الألباني في “الإرواء” (7/100)

 

رابعا :

ما
ذكرتيه من الصبر على هذه المحنة والرضا بما قدر الله هو عين الصواب ، وسوف  تؤجرين
عليه إن شاء الله ، ولا شيء أنفع للمرء في ورطاته وأزماته من الصبر : الصبر مطية لا
تكبو !! فاصبري واحتسبي ، وسامحي الزوج ، وأحسني إليه ، قدر ما استطعت :

(
إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ) يوسف/90 .

وارأفي بحال أختك زوجته الأولى ، وقدري حجم المشكلة عندها ، واسألي الله العفو عنها
، وأن يجمع بينكما ومعكما الزوج في حياة طيبة وعيشة هنية ، وليس ذلك على الله بعزيز
.

 

قال
الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :


بالنسبة للزوجة المضرورة المظلومة فأشير عليها بالصبر والاحتساب ، وأخبرها أنها
بالصبر واحتساب الأجر من الله تعالى تكون مثابة على ذلك ، وأبشرها بأن دوام الحال
من المحال ، وأنها مع تقوى الله عز وجل والصبر ربما يسخّر الله لها زوجها فيعود
ويعدل بينها وبين الزوجة الأخرى ” انتهى .

“فتاوى نور على الدرب” (10/258)

 

وقال أيضا :


ينبغي للمرأة الأخرى أن تتسامح مع الزوج ؛ لأن تسامحها معه أدعى إلى قوة محبته لها
، وكلما تسامحت المرأة وصبرت واحتسبت ، ولم تنازع الزوج : كان ذلك أدوم لبقائها معه
وأعظم أجراً عند الله سبحانه وتعالى .

ونقول للزوج : يجب عليك أن تعدل بين زوجتيك في كل ما تملكه ، أي في كل ما تستطيعه
من عدل .

وبالنسبة للزوجة التي ترى أنها مهضومة أوصيها بالصبر واحتساب الأجر وأقول : إن ذلك
مما تنال به الأجر عند الله عز وجل والعاقبة للمتقين ، وعدم نزاع الزوج أدوم لمحبته

انتهى ملخصا .

“فتاوى نور على الدرب” (10/260)

راجعي السؤال رقم (10091) – (14021)

 

خامسا :

وأما أنك تخافين من ضياع نفسك وأسرتك ، فاعلمي أن من أركان الإيمان : الإيمان بقضاء
الله وقدره ، واعلمي أن الله هو ربك ، رازقك ، وحافظك ، ومقدر أمرك ؛ وليس الزوج
ولا زوجته الأخرى : ( وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ
فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ) يونس /84 .

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ، قَالَ : كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ:

(
يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ ؛ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظْ
اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ ، وَإِذَا
اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ
عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ
اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ
إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ
الصُّحُفُ )

رواه الإمام أحمد (2664) والترمذي (2516) قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ،
وصححه الألباني .

 

وأخيرا ، نوصيك ـ أيتها الأخت الكريمة ـ بمداومة ذكر الله جل جلاله ، عند كل هم
وحزن : ( الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا
بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد /28 .

وعليك بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم :

روى
البخاري (6369) عن أنس رضي الله عنه: قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ
وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ
وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) .

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ ، يَقُولُ: ( لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)

رواه البخاري (6345) ومسلم (2730) .

نسأل الله أن يصلح شأنك ، ويصلح لك زوجك ، ويجمع بينكما في خير .

والله الموفق .