الجواب :
الحمد لله
السَّحُور هو الطعام الذي يأكله الإنسان أو يشربه في آخر الليل ، وسمي سحوراً لأنه
يؤكل في وقت السحر ، وهو آخر الليل .
” لسان العرب ” (4/ 351) .
وقد وردت عدة أحاديث في فضل السحور ، كقوله صلى الله عليه وسلم : ( تَسَحَّرُوا
فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً) رواه البخاري (1923) ، ومسلم (1095) ، وقوله
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ
أَهْلِ الْكِتَابِ ، أَكْلَةُ السَّحَرِ) رواه مسلم (1096) ، وقوله صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ) رواه أحمد (11086) وصححه محققو المسند . وحسنه الألباني
في “الصحيحة ” (1654) .
والمقصود بالسحور في هذه الأحاديث : أكلة السحر التي يأكلها الصائم خاصة ، لأن ذلك
الطعام يقوي الصائم على عبادة الصيام ، ويسهلها عليه ، ولأنه يفرق به بين صيامنا –
نحن المسلمين- وصيام أهل الكتاب ، ويؤخذ ذلك من كلام العلماء على العلة من جعل
السحور بركة.
قال النووي رحمه الله :
” أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ،
وَأَمَّا الْبَرَكَةُ الَّتِي فِيهِ فَظَاهِرَةٌ ؛ لِأَنَّهُ يُقَوِّي عَلَى
الصِّيَامِ وَيُنَشِّطُ لَهُ وَتَحْصُلُ بِسَبَبِهِ الرَّغْبَةُ فِي الِازْدِيَادِ
مِنَ الصِّيَامِ لِخِفَّةِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ عَلَى الْمُتَسَحِّرِ . فَهَذَا هُوَ
الصَّوَابُ الْمُعْتَمَدُ فِي مَعْنَاهُ ” انتهى من ” شرح النووي على مسلم ” (7/
206) .
وقال المناوي رحمه الله في قوله صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ
وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ) : ” أي : الذين يتناولون
السحور بقصد التقوي به على الصوم ؛ لما فيه من كسر شهوة البطن والفرج الموجبة
لتصفية القلب وغلبة الروحانية على الجسمانية الموجبة للقرب من جانب الرب تعالى ،
فلذلك كان السحور متأكد الندب جدا ” .
انتهى من ” فيض القدير ” (2/ 270) .
وجاء في ” الموسوعة الفقهية ” (24/ 270):
” السُّحُورُ سُنَّةٌ لِلصَّائِمِ ، وَقَدْ نَقَل ابْنُ الْمُنْذِرِ الإْجْمَاعَ
عَلَى كَوْنِهِ مَنْدُوبًا ” انتهى .
وقال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
” المشروع للصائم أن يتسحر قبل طلوع الفجر؛ لما في ذلك من التقوي على الصيام ” .
انتهى من ” فتاوى اللجنة الدائمة ” (9/ 26) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
” (إن في السحور بركة) أين البركة ؟ كله بركة : عبادة ، واقتداء بالرسول ، ومخالفة
لأصحاب الجحيم ، وعون على الصوم ، وإعطاء للنفوس حقها ، حيث إنها ستقبل على وقت
تمسك فيه ، فتنال حظها من الأكل والشرب لتتقوى به على طاعة الله عز وجل ، هذه مقدمة
الصوم “.
انتهى من ” لقاء الباب المفتوح ” (147/ 7) بترقيم الشاملة .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
” الْبَرَكَةَ فِي السُّحُورِ تَحْصُلُ بِجِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، وَهِيَ :
اتِّبَاعُ السُّنَّةِ ، وَمُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَالتَّقَوِّي بِهِ
عَلَى الْعِبَادَةِ ، وَالزِّيَادَةُ فِي النَّشَاطِ ، وَمُدَافَعَةُ سُوءِ
الْخُلُقِ الَّذِي يُثِيرُهُ الْجُوعُ ، وَالتَّسَبُّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ
يَسْأَلُ إِذْ ذَاكَ ، أَوْ يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَلَى الْأَكْلِ ، وَالتَّسَبُّبُ
لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَقْتَ مَظِنَّةِ الْإِجَابَةِ ، وَتَدَارُكُ نِيَّةِ
الصَّوْمِ لِمَنْ أَغْفَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ ” .
انتهى من ” فتح الباري ” (4/ 140) .
وبعض هذه العلل التي ذكرها الحافظ ابن حجر رحمه الله ليست خاصة بالصائم ، ولكنها
تابعة لنية الصيام ، فنية الصيام هي الأصل ثم تتبعها هذه الفوائد من طعام السحور .
وقد أجمع العلماء على أن السحور مستحب للصائم ، ولا نعلم أحدا من العلماء قال
باستحبابه لغير الصائم ، ولو كان السحور مستحبا للصائم وغيره لداوم عليه النبي صلى
الله عليه وسلم ، ولكنه لم يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم ، وهذا يدل على أن استحباب
السحور إنما هو خاص بمن أراد أن يصوم .
والله أعلم .
