الجواب :
الحمد لله
لا ندري بأي شيء نبدأ جوابك ، بتذكيرك بخطئك ، فأنت تقولين إنك تعلمين بخطئك ، لكنه
في الواقع خطأ ، وليس ككل خطأ ، خطأ جنى عليك أعظم جناية على فتاة مثلك ؛ فما كان
أغناك عن الحرام ، والضياع ، والحسرة ، ما كان أغناك عن ذلك كله ، بطريق من طرق
الحلال التي كانت متاحة لك ؛ حتى ولو كان مع ذلك الشاب ، لو كان يريد الحلال فعلا .
لكن ، إنا لله وإنا إليه راجعون .
أما وقد كان ما كان ، ووصلت إلى الحال التي ذكرت في سؤالك ، فلا شك أن زواجك بهذا
الرجل كان باطلا فاسدا في حكم الشرع ، (فأيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها
فنكاحها باطل ، باطل ، باطل) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم . ويزيد الأمر سوءً
ما كنتما عليه من الكتمان ، والتواصي بأن يكون سرا ، في كل مرة تفعلان فيه ذلك .
لكن ، ومع فساد هذا النكاح الذي كان بينكما : فإنه يلزمكما أحكامه ، فإذا طلقك منه
، لزمكما هذا الطلاق ، وما يتعلق به من أحكام ، هذا إذا كنتما قد بينتما أمركما على
أنه زواج ، واقتنعت بأنه زواج صحيح على مذهب الحنفية كما ذكرت ، فهذا نكاح ، لكنه
فاسد على مذهب الجمهور ، والنكاح الفاسد يقع فيه الطلاق ، وليس لمن نكح نكاحاً
فاسداً وهو يعتقد صحته ثم طلق أن يعيد النظر في صحة النكاح ليقنع نفسه بأن النكاح
لم يحصل أصلاً ، فهذا من التلاعب بالدين ، التعدي لحدود رب العالمين .
فأي دين ، وأي عقل : يقول لك : إنكما متزوجان عندما تلتقيان ، وتمارسان ما تريدان ،
كما يمارس الزوجان ؛ فإذا طلقك : فالزواج لم يكن صحيحا ؛ وهل هذا إلا غاية اللعب
بأحكام الله ، واتخاذ آياته هزوا ؟!
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عَنْ : ” رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ
وَلِيُّهَا فَاسِقٌ يَأْكُلُ الْحَرَامَ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ؛ وَالشُّهُودُ
أَيْضًا كَذَلِكَ وَقَدْ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ: فَهَلْ لَهُ بِذَلِكَ
الرُّخْصَةُ فِي رَجْعَتِهَا؟ ” . فَأَجَابَ:
“إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ . وَمَنْ أَخَذَ يَنْظُرُ بَعْدَ
الطَّلَاقِ فِي صِفَةِ الْعَقْدِ وَلَمْ يَنْظُرْ فِي صِفَتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ :
فَهُوَ مِنْ الْمُتَعَدِّينَ لِحُدُودِ اللَّهِ ؛ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ
يَسْتَحِلَّ مَحَارِمَ اللَّهِ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَبَعْدَهُ . وَالطَّلَاقُ فِي
النِّكَاحِ الْفَاسِدِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا
مِنْ الْأَئِمَّةِ ، وَالنِّكَاحُ بِوِلَايَةِ الْفَاسِقِ : يَصِحُّ عِنْدَ
جَمَاهِيرِ الْأَئِمَّةِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ” انتهى من “مجموع الفتاوى” (32/101)
.
وبناء على ذلك إن كانت الطلقة الثانية وقعت بعد المراجعة من الطلقة الأولى ، فقد
وقعت عليك ثلاث طلقات ، وصرت مطلقة منه طلاقا بائنا ، لا يحل له أن يتزوجك ، حتى
تتزوجي من زوج غيره ، زواجا صحيحا شرعيا ، هذه المرة ، وليس كالزواج السابق ؛ فإذا
طلقك زوجك الآخر بعد أن ينال منك ما ينال الرجل من امرأته ، كما يطلق الرجل امرأته
من غير حيلة ، ولا تلاعب آخر ، فلا حرج عليك أن ترجعي إلى هذا الرجل، إن أردتما أن
تقيما شرع الله بينكما .
وإن كانت الطلقة الثانية وقعت قبل حصول الرجعة من الطلاق الأول وقبل انقضاء العدة ،
فهذه الطلقة الثانية لا تقع على الراجح ، ويكون قد وقع عليك طلقتان فقط ، ولكما أن
تعقدا عقد النكاح الآن ، والرجعة من الطلاق بتحصل بقول الزوج راجعتك وما أشبه ذلك .
وبعد ، فلا ندري ما نقول لك آخرا ، كما لم نكن ندري ما نقول لك أولا ؛ لكن أعظم ما
ينبغي عليك الآن : التوبة النصوح إلى الله ، عسى أن يجبر مصابك ، ويغفر ذنبك : (
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا
وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
الْعَظِيمِ ) .
والله أعلم .
