اتفق رجلان على أن يزوج كلٌّ منهما أخته للآخر ، فما حكم هذا النكاح ؟.

الحمد لله

هذا النكاح يسمى نكاح الشغار ، وهو محرم ، نهى عنه النبي صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

و “نكاح الشغار هو : أن يزوج الرجل ابنته أو أخته أو غيرهما ممن
له الولاية عليه على أن يزوجه الآخر ، أو يزوج ابنه أو ابن أخيه ابنته أو أخته أو
بنت أخيه أو نحو ذلك ، وهذا العقد على هذا الوجه فاسد ، سواء ذكر فيه مهر أم لا ،
لأن الرسول صلي الله عليه وسلم نهى عن ذلك وحذر منه . وقد قال الله تعالى : ( وَمَا
آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) الحشر
/7.

وفي الصحيحين عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الشِّغَارِ .

وفي صحيح مسلم (1416) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ
الشِّغَارِ . زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ : ( وَالشِّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ
لِلرَّجُلِ : زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي ، أَوْ زَوِّجْنِي
أُخْتَكَ وَأُزَوِّجُكَ أُخْتِي ) .

وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لا شِغَارَ فِي
الإِسْلامِ ) رواه مسلم (1415) .

فهذه الأحاديث الصحيحة تدل على تحريم نكاح الشغار وفساده ، وأنه
مخالف لشرع الله ، ولم يفرق النبي صلي الله عليه وسلم بين ما سُمِّي فيه مهر وما لم
يسم فيه شيء ، وأما ما ورد في حديث ابن عمر من تفسير الشغار بـ ( أَنْ يُزَوِّجَ
الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا
صَدَاقٌ ) .

فهذا التفسير قد ذكر أهل العلم أنه من كلام نافع الراوي ، عن ابن
عمر ، وليس هو من كلام النبي صلي الله عليه وسلم ، وقد فسره النبي صلي الله عليه
وسلم في حديث أبي هريرة بما تقدم ، وهو : أن يزوج الرجل ابنته أو أخته على أن يزوجه
الآخر ابنته أو أخته ، ولم يقل : ( وليس بينهما صداق ) ، فدل ذلك على أن تسمية
الصداق أو عدمها لا أثر لها في ذلك ، وإنما المقتضي للفساد هو اشتراط المبادلة ،
وفي ذلك فساد كبير ؛ لأنه يفضي إلى إجبار النساء على نكاح من لا يرغبن فيه ؛
إيثاراً لمصلحة الأولياء على مصلحة النساء ، وذلك منكر وظلم للنساء ؛ ولأن ذلك
أيضاً يفضي إلى حرمان النساء من مهور أمثالهن ، كما هو الواقع بين الناس المتعاطين
لهذا العقد المنكر إلا من شاء الله ، كما أنه كثيرا ما يفضي إلى النزاع والخصومات
بعد الزواج ، وهذا من العقوبات العاجلة لمن خالف الشرع .

وروى أحمد (16414) وأبو داود (2075) بإسناد صحيح عن عَبْد
الرَّحْمَنِ بْن هُرْمُزَ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ
أَنْكَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ ابْنَتَهُ وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ
الرَّحْمَنِ ابْنَتَهُ ، وَقَدْ كَانَا جَعَلا صَدَاقًا ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ
بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ خَلِيفَةٌ إِلَى مَرْوَانَ يَأْمُرُهُ بِالتَّفْرِيقِ
بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ فِي كِتَابِهِ : هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

فهذه الحادثة التي وقعت في عهد أمير المؤمنين معاوية توضح لنا
معنى الشغار الذي نهى عنه الرسول صلي الله عليه وسلم في الأحاديث المتقدمة ، وأن
تسمية الصداق لا تصحح النكاح ولا تخرجه عن كونه شغاراً ؛ لأن العباس بن عبد الله ،
وعبد الرحمن بن الحكم قد سميا صداقا ، ولكن لم يلتفت معاوية رضي الله عنه إلى هذه
التسمية وأمر بالتفريق بينهما ، وقال : ( هَذَا الشِّغَارُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) . ومعاوية رضي الله عنه أعلم
باللغة العربية وبمعاني أحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم من نافع مولى ابن عمر رضي
الله عن الجميع .

أما العلاج لمن وقع في نكاح الشغار وهو يرغب في زوجته وهي ترغب
فيه : فهو تجديد النكاح بولي ، ومهر جديد ، وشاهدي عدل ؛ وبذلك تبرأ الذمة وتحل
الزوجة ، مع التوبة إلى الله سبحانه مما سلف ، وإن كان بينهما أولاد فهم لاحقون
بالزوج من أجل اعتقادهما صحة النكاح ، فإن كان الزوج لا يرغب فيها أو هي لا ترغب
فيه فإن الواجب عليه أن يطلقها طلقة واحدة ، وبذلك تبين منه بينونة صغرى ، ولها أن
تنكح غيره بعد خروجها من العدة ، ومتى أراد الرجوع إليها فله ذلك بنكاح جديد ، إذا
رغبت مطلقته في ذلك ، ويبقى لها طلقتان ، ولا حرج أن يتزوجها في عدتها منه ” اهـ .