ما عدد أحاديث ( موطأ ) الإمام مالك ؟.
الحمد لله
هذا بيان موجز حول كتاب موطأ الإمام مالك نسأل الله أن ينفع به :
أولا :
الموطأ : هو واحد من دواوين الإسلام العظيمة ، وكتبه الجليلة ،
يشتمل على جملة من الأحاديث المرفوعة ، والآثار الموقوفة من كلام الصحابة والتابعين
ومن بعدهم ، ثم هو أيضا يتضمن جملة من اجتهادات المصنف وفتاواه .
وقد سمي الموطأ بهذا الاسم لأن مؤلفه وطَّأَهُ للناس ، بمعنى أنه
: هذَّبَه ومهَّدَه لهم .
ونُقِل عن مالك رحمه الله أنه قال : عرضت كتابي هذا على سبعين
فقيها من فقهاء المدينة ، فكلهم واطَأَنِي عليه ، فسميته الموطأ .
ثانيا :
سبب تأليفه : ذكر ابن عبد البر رحمه الله ، في كتاب الاستذكار
(1/168) أن أبا جعفر المنصور قال للإمام مالك : ( يا مالك ! اصنع للناس كتابا
أحْمِلُهم عليه ، فما أحد اليوم أعلم منك !! ) فاستجاب الإمام مالك لطلبه ، ولكنه
رفض أن يُلزِم الناس جميعا به .
ثالثا :
مكث الإمام مالك أربعين سنة يقرأ الموطَّأَ على الناس ، فيزيد
فيه وينقص ويُهذِّب ، فكان التلاميذ يسمعونه منه أو يقرؤونه عليه خلال ذلك ، فتعددت
روايات الموطأ واختلفت بسبب ما قام به الإمام من تعديل على كتابه ، فبعض تلاميذه
رواه عنه قبل التعديل ، وبعضهم أثناءه ، وبعضهم رواه في آخر عمره ، وبعضهم رواه
كاملا ، وآخرون رووه ناقصا ، فاشتُهِرت عدة روايات للموطأ ، أهمها :
رواية يحيى بن يحيى المصمودي الليثي (234هـ) : وهي أشهر رواية عن
الإمام مالك ، وعليها بنى أغلب العلماء شروحاتهم .
رواية أبي مصعب الزهري : تمتاز بما فيها من الزيادات ، وبأنها
آخر رواية نقلت عن مالك ، وهي متداولة بين أهل العلم .
رواية عبد الله بن مسلمة القعنبي (221هـ) : وهي أكبر روايات
الموطأ وعبد الله من أثبت الناس في الموطأ عند ابن معين والنسائي وابن المديني .
رواية محمد بن الحسن الشيباني .
رواية عبد الله بن سلمة الفهري المصري .
وغيرها كثير . [ تكلم الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي رحمه الله عن
رواة الموطأ ، وذكر تعريفا بأربعة عشر نسخة من نسخه ، في مقدمته للطبعة التي حققها
من الموطأ ص 6-16 ] .
وهذه الروايات تختلف فيما بينها في ترتيب الكتب والأبواب ، وفي
عدد الأحاديث المرفوعة والمرسلة والموقوفة والبلاغات ، كما تختلف في كثير من ألفاظ
الأحاديث اختلافا كبيرا .
رابعا :
عدد أحاديث الموطأ يختلف باختلاف الروايات ، كما يختلف بحسب
اختلاف طريقة العدّ ، وذلك أن بعض أهل العلم يعد كل أثر من كلام الصحابة أو
التابعين حديثا مستقلا ، وبعضهم لا يعتبره ضمن العدد ، لذلك نكتفي بذكر العدد الذي
جاء في بعض الطبعات المحققة للموطأ ، وهي :
رواية يحيى الليثي : ( وهي الرواية الأشهر ، والمقصودة عند إطلاق
الموطأ ) : رقمها ترقيما كاملا الشيخ خليل شيحا ، فبلغ عدد الأحاديث بترقيمه (1942)
حديثا ، تشمل المرفوع والموقوف .
وأما رواية أبي مصعب الزهري : فقد رقمت في طبعة مؤسسة الرسالة ،
فبلغ عدد أحاديثها (3069) حديثا ، وقد شمل الترقيم كل شيء حتى أقوال الإمام مالك ،
لهذا السبب كان العدد كبيرا .
خامسا :
شرطه في كتابه من أوثق الشروط وأشدها ، فقد كان يسلك منهج التحري
والتوخي وانتقاء الصحيح .
قال الشافعي رحمه الله : ما في الأرض بعد كتاب الله أكثر صوابا
من موطأ مالك بن أنس .
وعن الربيع قال : سمعت الشافعي يقول : كان مالك إذا شك في الحديث
طرحه كله .
وقال سفيان بن عيينة : رحم الله مالكا ، ما كان أشد انتقاده
للرجال .
“الاستذكار” (1/166) “التمهيد” (1/68)
لذلك تجد أن أكثر أسانيد مالك الموصولة في الدرجة العليا من
الصحيح ، ومن أجل هذا استوعب الشيخان البخاري ومسلم أكثر حديثه في كتابيهما .
تنبيه : إنما قال الإمام الشافعي رحمه الله كلامه المنقول سابقا
، قبل أن يكتب البخاري ومسلم كتابيهما ، كما نبه عليه الحافظ ابن كثير رحمه الله في
اختصار علوم الحديث ص (24-25)
سادسا :
اتبع مالك في موطئه طريقة المؤلفين في عصره ، فمزج الحديث بأقوال
الصحابة والتابعين والآراء الفقهية ، حتى بلغت آثار الصحابة : 613 أثرا ، وأقوال
التابعين : 285 قولا .
يقدم في الباب الحديث المرفوع ثم يتبعه بالآثار وأحيانا يذكر عمل
أهل المدينة ، فكتابه كتاب فقه وحديث في وقت واحد ، وليس كتابَ جمع للروايات فقط ،
لذلك تجد بعض الأبواب تخلو من المرويات ، وإنما يسوق فيها أقوال الفقهاء وعمل أهل
المدينة واجتهاداته ، ومن ذلك :
باب ما لا زكاة فيه من الثمار ، وباب صيام الذي يقتل خطأ
..وغيرها .
ونجد أيضا أنه اقتصر على كتب الفقه والأدب وعمل اليوم والليلة ،
وليس في كتابه شيء في التوحيد أو الزهد أو البعث والنشور والقصص والتفسير .
[ انظر : الفكر المنهجي عند المحدثين ، د همام سعيد ص (111-118) ، مناهج
المحدثين ، د ياسر الشمالي ص(285) فما بعده ، مقدمة تحقيق الموطأ ، ط فؤاد عبد
الباقي ] .
والله أعلم .
