الجواب :
الحمد لله
دعنا أيها الفاضل نحيِّ فيك أولا حياءك ، ومجاهدتك نفسك منذ حداثة سنك كي لا تقع في
المحظور ، فلا أسوء من حب – من المفترض أن يتلبس بالطهر والعفاف والفضيلة – وقد
اقتنصته الخطيئة .
كانت تجربتك الأولى مع عاطفتك الجياشة ، ومرت السنون وافترقت السبل ، وتزوجت وبنيت
أسرتك ، فما زادك البعاد إلا تعلقا ، وإذا أنت ـ بحسب كلامك ـ في نهاية المطاف :
غير قادر على النسيان .
لم تدخل البيت من النافذة بل طرقت الأبواب ، وعرضت زواجك عليها كي ترعى حبك في طاعة
الله ، وفي كنف الطهر والعفاف ، فيا لها من خصال جميلة لا يتحلى بها إلا النبلاء
الشهام ، الخائفين من غضب الله والسقوط في المعصية .
كم كنت كريما مع تلك الفتاة حينما لم تقتحم عليها وحدتها ولم تجرها إلى المعصية ،
وكم كنت صادقا وفيا ، وأنت تحتفظ لها بمشاعرك عبر السنين من غير أن تفاتحها بها ،
إلى أن قررت الزواج منها ، حينما صار ذلك ممكنا ، كما تظن .
لم يبق لذلك الجميل إلا أن تتوجه بواحد من أمرين :
الأول : إن طلبت منا النصيحة فيما هو أنسب لك : فإننا نرى الأوفق بك : أن تقطع حبال
التعلق بتلك المرأة ؛ فقد فاتتك بنفسها ، ولم تقبلك زوجا ، في زمن الشباب ، رغم أنه
لم يبد منك لها ما يعيبك ، أو يسوؤها .
ثم عادت ، وردتك ردا جميلا ، حينما ضعفت سورتها ، وانكسرت نفسها بما نالها ، لكنها
أيضا: أبت أن تجبر ذلك الكسر ، بكسر غيرها !!
إذا الروض أمسى مُجدِبا في ربيعه * ففي أي حين يستنير ويُخْصِب
وهذا هو الذي نحبه لك ، ونختاره لك ، ولا نظن أنه من اليسير في هذه السن الصغيرة
التي ما زلت فيها أن تبني بيتا جديدا ، وأنت قادر على الحفاظ على بيتك الأول !!
فإن أبيت إلا المضي في حبال التعلق بها ، بعد ما كان من أمرك وأمرها ما كان ؛ فإياك
إياك أن تكون كمن يهدم مصرا ، ليبني قصرا !! إياك إياك أن تهدم بيتا قائما ، لتحصل
بيتا قادما !!
فقط ، عليك أن تدخل البيت من بابه ، إن كنت فعلا مصرا على الزواج منها ، وتعلم أن
نفسك لن تطيب إلا بذلك ؛ فاخط خطوك لتحقيق ذلك عمليا ، وأعلمها بجديتك في ذلك ،
وحرصك عليها زوجة ، واخطبها من أوليائها ؛ فبعض النساء يغلبهن حياؤهن ولا يستطعن
الرد بالموافقة للوهلة الأولى .
لكن ذلك كله مشروط بأن تعلم من نفسك كفاءة مادية ومعنوية ، وقدرة على فتح بيت جديد
من غير ظلم لزوجتك الأولى ، ومن غير تشتيت لشملك الذي بنيته بزواجك وإنجابك طفلة ،
وأن تعلم من نفسك القدرة على العدل فيما فرض الله العدل فيه ، فامض لما شئت ، بعد
تقديم استخارة الله جل جلاله ، وسؤاله التوفيق والتيسير لما يحب ويرضى .
فإن مضى الأمر على ما تحب ، فالحمد لله .
وإن كانت الأخرى ، فليكن هذا هو آخر باب تطرقه لها ، وآخر خطوة تخطوها إليها ،
واصرف بصرك ، وقلبك ، واستغن بمن عندك من الحلال .
يسر الله لك أمرك ، ووفقك لما يحب ويرضى .
والله أعلم .