يسلم الإمام بسرعة شديدة خلال صلاة التراويح ، والوقت لا يكفيني إلا لإنهاء التشهد الأول ، لكنه يسلم قبل أن أقول التشهد الثاني ( الصلاة الإبراهيمية ) .
فهل يجوز أن أنهي صلاتي في هذه النقطة ؟ أم أن التشهد الإبراهيمي إلزامي ؟.
الحمد لله
أولاً :
اختلف العلماء في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في
التشهد في الصلاة ، على أقوال ، فمنهم من قال بأنها ركن لا تصح الصلاة إلا بها ،
ومنهم من قال بوجوبها ، والقول الثالث : أنها سنة مستحبة ، وليست بواجبة .
وقد رجَّح الشيخ محمد الصالح العثيمين رحمه الله القول الثالث ،
فقال في شرح “زاد المستقنع” :
قوله : ” والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه ” أي : في
التشهُّدِ الأخير ، وهذا هو الرُّكن الثاني عشر مِن أركان الصلاة .
ودليل ذلك : أنَّ الصَّحابة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم : يا
رسولَ الله ؛ عُلِّمْنَا كيف نُسلِّم عليك ، فكيف نُصلِّي عليك ؟ قال : قولوا : (
اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّدٍ ، وعلى آل محمَّدٍ ) ، والأمر يقتضي الوجوب ، والأصلُ
في الوجوب أنَّه فَرْضٌ إذا تُرِكَ بطلت العبادة ، هكذا قرَّرَ الفقهاءُ رحمهم الله
دليل هذه المسألة .
ولكن إذا تأملت هذا الحديث لم يتبيَّن لك منه أنَّ الصَّلاة على
النبي صلى الله عليه وسلم رُكنٌ ، لأنَّ الصحابة إنَّما طلبوا معرفة الكيفية ؛ كيف
نُصلِّي ؟ فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إليها ، ولهذا نقول : إن الأمر في قوله
: ( قولوا ) ليس للوجوب ، ولكن للإِرشاد والتعليم ، فإنْ وُجِدَ دليل غير هذا يأمر
بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصَّلاة فعليه الاعتماد ، وإنْ لم يوجد
إلا هذا فإنه لا يدلُّ على الوجوب ، فضلاً عن أن يَدلَّ على أنها رُكن ؛ ولهذا
اُختلفَ العلماء في هذه المسألة على أقوال :
القول الأول : أنها رُكنٌ ، وهو المشهور مِن المذهب ، فلا تصحُّ
الصلاة بدونها .
القول الثاني : أنها واجب ، وليست برُكن ، فتُجبر بسجود السَّهو
عند النسيان .
قالوا : لأن قوله : ( قولوا : اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّدِ )
محتمل للإِيجاب وللإِرشاد ، ولا يمكن أن نجعله رُكناً لا تصحُّ الصلاة إلا به مع
هذا الاحتمال .
القول الثالث : أنَّ الصَّلاةَ على النبي صلى الله عليه وسلم
سُنَّة ، وليست بواجب ولا رُكن ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، وأن الإِنسان لو
تعمَّد تَرْكها فصلاتُه صحيحة ؛ لأن الأدلَّة التي اُستدلَّ بها الموجبون ، أو
الذين جعلوها رُكناً ليست ظاهرة على ما ذهبوا إليه ، والأصل براءة الذِّمة .
وهذا القول أرجح الأقوال إذا لم يكن سوى هذا الدليل الذي استدلَّ
به الفقهاء رحمهم الله ، فإنه لا يمكن أن نبطلَ العبادة ونفسدها بدليل يحتمل أن
يكون المراد به الإِيجاب ، أو الإِرشاد . ” الشرح الممتع ” ( 3 / 310 – 312
) .
وعلى هذا القول فتصح الصلاة بدونها .
ثانياً :
ينبغي نصح هذا الإمام وغيره من الأئمة الذين يسرعون في صلاة
التراويح سرعة مفرطة ، فيمنعون من وراءهم من إتمام صلاتهم .
وقد نص العلماء على أنه ينبغي للإمام أن يتأنَّى في الصلاة حتى
يتمكن المأمومون من الإتيان بالواجبات وبعض السنن ، وأنه يكره له الإسراع بحيث يمنع
المأمومين من ذلك .
قال النووي :
مَعْنَى أَحَادِيث الْبَاب ظَاهِر –يعني الأحاديث التي فيها
الأمر للإمام بالتخفيف- وَهُوَ الأَمْر لِلإِمَامِ بِتَخْفِيفِ الصَّلاة بِحَيْثُ
لا يُخِلّ بِسُنَّتِهَا وَمَقَاصِدهَا .
وجاء في الموسوعة الفقهية (14/243) :
وَالْمُرَادُ بِالتَّخْفِيفِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَدْنَى
الْكَمَالِ , فَيَأْتِي بِالْوَاجِبَاتِ , وَالسُّنَنِ , وَلا يَقْتَصِرُ عَلَى
الأَقَلِّ وَلا يَسْتَوْفِي الأَكْمَلَ .
وقال ابن عبد البر :
التَّخْفِيفُ لِكُلِّ إِمَامٍ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مَنْدُوبٌ
عِنْدَ الْعُلَمَاءِ إِلَيْهِ إِلا أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ أَقَلُّ الْكَمَالِ
, وَأَمَّا الْحَذْفُ وَالنُّقْصَانُ فَلا . . . ثم قَالَ : لا أَعْلَمُ خِلافًا
بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي اِسْتِحْبَابِ التَّخْفِيفِ لِكُلِّ مَنْ أَمَّ
قَوْمًا عَلَى مَا شَرَطْنَا مِنْ الإِتْمَامِ .
وقال ابن قدامة في المغني (1/323) :
وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ أَنْ يُرَتِّلَ الْقِرَاءَةَ
وَالتَّسْبِيحَ وَالتَّشَهُّدَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ مَنْ خَلْفَهُ مِمَّنْ
يَثْقُلُ لِسَانُهُ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ , وَأَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ رُكُوعِهِ
وَسُجُودِهِ , قَدْرَ مَا يَرَى أَنَّ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ وَالثَّقِيلَ قَدْ
أَتَى عَلَيْهِ . فَإِنْ خَالَفَ وَأَتَى بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ , كُرِهَ
وَأَجْزَأَهُ .
وفي الموسوعة الفقهية (6/213) :
وَيُكْرَهُ لَهُ الإِسْرَاعُ , بِحَيْثُ يُمْنَعُ الْمَأْمُومُ
مِنْ فِعْلِ مَا يُسَنُّ لَهُ , كَتَثْلِيثِ التَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ
وَالسُّجُودِ , وَإِتْمَامِ مَا يُسَنُّ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ .
وقال الشيخ ابن عثيمين في رسالة في أحكام الصيام والزكاة
والتراويح :
” وأما ما يفعل بعض الناس من الإسراع المفرط فإنه خلاف المشروع ،
فإن أدَّى إلى الإخلال بواجب أو ركن كان مبطلاً للصلاة .
وكثير من الأئمة : لا يتأنَّى في صلاة التراويح وهذا خطأ منهم ،
فإن الإمام لا يصلي لنفسه فقط ، وإنما يصلي لنفسه ولغيره ، فهو كالولي يجب عليه فعل
الأصلح ، وقد ذكر أهل العلم أنه يكره للإمام أن يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما
يجب ” انتهى .
والله أعلم .
