الجواب :
الحمد لله
أولاً :
شحن الألعاب الإلكترونية برصيد معين مقابل نقود مالية ، لا حرج فيه ، سواء كان
الرصيد المشحون مساوياً للمبلغ المدفوع أو أقل أو أكثر ، وليس هذا من الربا في شيء
، لأن المبادلة هنا ليست بين مال ومال ، وإنما بين مال ورصيد الكتروني .
ودفع المال مقابل الحصول على هذا الرصيد ليتمكن من ممارسة اللعبة الإلكترونية من
الأمور المباحة .
فغاية الأمر أنه استئجارٌ لمنفعةٍ مباحةٍ بحسب قواعد اللعب فيها ، والاستئجار
لتسليةٍ أو لعبٍ مباح : جائز ولا حرج فيه .
يقول الخطيب الشربيني رحمه الله : ” لو استأجر طائراً للأنس بصوته كالعندليب ، أو
لونه كالطاوس صح ؛ لأن المنافع المذكورة مقصودة متقوَّمة ” انتهى من ” مغني المحتاج
” (3/446) .
ويقول ابن حجر رحمه الله – في فوائد حديث ( يا أبا عمير ما فعل النغير ) – : ” فيه
جواز إنفاق المال فيما يتلهَّى به الصغير من المباحات ” انتهى من ” فتح الباري ”
(10/584) .
ثانياً :
وكذلك الحكم في دفع المال الحقيقي مقابلَ شراء أدوات إضافية في اللعبة ، مثل قطع
مسافة ، أو سرعة زائدة ، أو ذخيرة وأسلحة في ألعاب القتال والحرب ، أو وقود في
ألعاب السيارات ، أو رصيد لشراء شيء من الإضافات السابقة واستكمال اللعب ، ونحو
ذلك.
فهذا جائز ولا حرج فيه ؛ إذ غايته أنه دفع أجرةٍ مقابل توفير فرصة اللعب بميزات
إضافية ، فإذا جاز أصل اللعب جاز هذا الفرع الذي غايته أنه طريقة خاصة في اللعب .

وشراء الأموال الوهمية الموجودة في اللعبة ، هو في الحقيقة : أجرة اللعب بها .
ولا فرق بين شرائها بمبلغ معلوم معين ، وبين أن يقال : ادفع كذا لتبدأ اللعب ، أو
ادفع كذا لتبلغ المرحلة الثانية ، أو ادفع كذا لتشتري رصيد أسلحةٍ تقاتل بها العدو
في اللعبة .
ثالثاً :
وأما بيع اللاعب للرصيد أو النقود الإلكترونية التي كسبها من خلال اللعبة بنقود
حقيقية :
1- فإن كان سيبيعها لمنتج اللعبة ومالكها الذي يتيح له هذا اللعب على سبيل التحدي
ليكسب نقوداً أكثر ، فهذا من القمار المحرم ؛ لأن حاله مع صاحب اللعبة كالمتغالبين
في الرهان ، وحالهما دائر بين أن يكون غانماً أو غارماً .
وإجراء الألعاب على عوض مادي يتحصَّل عليه اللاعب محرم مطلقاً ، إلا فيما ورد الشرع
باستثنائه وهو ( رمي السهام ، وسباق الخيل والإبل) ، وما أُلحق به مما هو في معناه
من الأمور المعينة على الجهاد والقتال .
قال الخطابي : ” الْجُعْلُ وَالْعَطَاءُ لَا يُسْتَحَقُّ إِلَّا فِي سِبَاق
الْخَيْل وَالْإِبِل وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا ، وَفِي النَّصْل وَهُوَ الرَّمْي ،
وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُور عُدَّة فِي قِتَال الْعَدُوّ , وَفِي بَذْل
الْجُعْل عَلَيْهَا تَرْغِيب فِي الْجِهَاد وَتَحْرِيض عَلَيْهِ .
وَأَمَّا السِّبَاق بما لَيْسَ مِنْ عُدَّة الْحَرْب ، وَلَا مِنْ بَاب الْقُوَّة
عَلَى الْجِهَاد ، فَأَخْذ السَّبَق [ وهو المال ] عَلَيْهِ مَحْظُور لَا يَجُوز “.
انتهى من “معالم السنن ” (2/255) بتصرف يسير .
وينظر جواب السؤال : (147826)
، (22305) .
2- وإن كان سيبيعها لشخص أجنبي لا علاقة له بمنتج اللعبة ومالكها ، فلا بأس بذلك ؛
لأنه من باب الاستعاضة عن منفعة مباحة بمال حقيقي ، وليس فيها رهان أو مغالبة على
عوض مالي .
رابعاً :
يشترط لبذل المال على هذه اللُّعبة خلوها من المحذورات الذاتية كصور النساء
والصلبان وألعاب السحر والشعوذة والمقامرات ، أو المحرمات التي تتبع ذلك كالإلهاء
عن ذكر الله والصلاة ، والإضرار بالجهاز العصبي والبصري والسمعي … الخ .
فإن خلت من كل هذا ، فلا بأس بدفع المال لشراء اللعبة أو استئجار الأجهزة أو
البرمجيات للَّعب ، ويدخل في ذلك شحن الأرصدة لبدء اللعبة أو الاستمرار بها .
مع الانتباه إلى :
1- أن تكون المنفعة معلومة وبيِّنة .
2- أن لا يكون فيها إسراف .
3-أن لا يكون فيها إضاعة للمال .
4- أن لا يكون فيها استدراج للَّاعب لإنفاق أمواله عبر مراحل اللعبة مندفعاً باللذة
والنشوة نادماً بعد انقضائها ؛ لأن هذا من أكل أموال الناس بالباطل .
هذا مع الحذر من الانجرار وراء مثل هذه الألعاب التي تضيع فيها الأوقات والأعمار ،
وتشتغل بها النفوس عن معالي الأمور والواجبات ، خاصة وأن هذا القطاع تعتريه الكثير
من الآفات التي تتصل باللاعبين أو بالألعاب الإلكترونية نفسها .
فهذا النوع من الألعاب يقتل الانتاج الحقيقي ، ويجعل الإنسان مدمناً على عالم
افتراضي ، فيزرع وهماً ، ويبيع وهماً ، وحتى اللعب وهمي لا تستفيد عضلاته ولا جسده
.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ
النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ) رواه البخاري ( 6049) .
قال الإمام بدر الدين العيني – رحمه الله – : ” فكأنه قال : هذان الأمران إذا لم
يستعملا فيما ينبغي : فقد غُبن صاحبُهما فيهما ، أي : باعهما ببخسٍ لا تُحمد عاقبته
، أو ليس له في ذلك رأي ألبتة .
فإن الإنسان إذا لم يعمل الطاعة في زمن صحته : ففي زمن المرض بالطريق الأولى ، وعلى
ذلك حكم الفراغ أيضاً ، فيبقى بلا عمل ، خاسراً ، مغبوناً “، انتهى من ” عمدة
القاري ” ( 23 / 31 ) .
وقد سبق بيان المحاذير الشرعية التي تشتمل عليها الألعاب في جواب السؤال : (2898)
، (98769) .
والله أعلم .