الجواب :
الحمد لله
اختلف أهل العلم المعاصرين في حكم كتابة القصص الخيالية ، إذا كان المراد منها
تحقيق أغراض مباحة كالتربية على بعض القيم والأخلاق والآداب ، أو تعليم بعض العلوم
التجريبية ، أو علاج بعض القضايا الاجتماعية والسياسية ، أو لغرض التسلية واللهو
المباح أو نحو ذلك ،
ويمكن حصر الخلاف في ذلك على قولين اثنين :
القول الأول : التحريم والمنع ؛ لأن القصة الخيالية تحكي شيئا مبتكرا غير واقعي ،
فهو من الكذب ، والكذب حرام .
جاء في “فتاوى اللجنة الدائمة” (12/187) :
” هل يجوز للشخص أن يكتب قصصا من نسج الخيال ، وكل ما فيها في الحقيقة كذب ، ولكن
يقدمها كقصص للأطفال لقراءتها وأخذ العبر منها ؟
فكان الجواب :
” يحرم على المسلم أن يكتب هذه القصص الكاذبة ، وفي القصص القرآني والنبوي وغيرهما
مما يحكي الواقع ويمثل الحقيقة ما فيه الكفاية في العبرة والموعظة الحسنة ” انتهى .

القول الثاني : الحل والجواز
، فلا مانع من كتابة القصص الخيالية ذات الأهداف النافعة ، وليست هي من باب الكذب ،
لسببين اثنين :
1- أن كاتب القصة إنما يطلب من القارئ أن يتخيل معه الأحداث والشخصيات التي تؤلف
تسلسل القصة والرواية ، فهناك إنشاء – أي : طلب – مقدَّر محذوف ، يُخرج باب الرواية
والقصة الخيالية عن الخبر الذي يحتمل الصدق والكذب ، ويجعلها في باب الإنشاء الطلبي
الذي ينتظر الامتثال : بقراءة القصة ، أو عدم الامتثال : بتركها .
وبهذا تكون جميع أحداث القصة والرواية – مهما طالت – إنما هي توضيح للطلب المقدَّر
وبيانٌ له ، وليست إخبارا محضا مجردا .
يتضح ذلك إذا افترضنا أن كل قصة يبتدئها كاتبها بالعبارة الآتية : ” تخيل معي
أن…” ثم يبدأ بسرد الأحداث بعدها ، فستكون القصة حينئذ استكمالا للطلب الذي
ابتدأت به ، والتخيل والافتراض لا يخضعان للتصديق أو التكذيب ، بل للامتثال أو عدمه
.
2- الكذب إنما هو إيهام السامع بما يخالف الحقيقة والواقع – بغض النظر عن تعمده ذلك
أو خطئه – ، أما في باب القصة فالقرائن القطعية التي تعارف عليها الناس اليوم تقضي
بانتفاء الوهم عن كل مَن يقرأ القصة مِن الصغار والكبار ، فهم جميعا يدركون أن
أحداثها مخترعة ، وشخصياتها مبتكرة ، وأن الغرض منها الخيال الذي يثمر تربية أو
سلوكا أو تعليما أو تسلية أو غير ذلك .
يقول العلامة ابن الوزير الصنعاني رحمه الله :
” الكذب هو : ما قصد المتكلّم به إيهام السّامع ما ليس بصدق , والمتجوّز لم يقصد
ذلك , وهذا هو الفرق بين الاستعارة والكذب كما ذكره أهل البيان ” انتهى من ” الروض
الباسم ” (2/440)

وهذا مشهور لدى المحدثين عند
كلامهم على ” التدليس “، وأن سبب ذمه إيهام غير الواقع فيكون كالكذب ، أما إذا
انتفى الإيهام ينتفي الكذب والذم ، على حد قول الإمام المعلمي رحمه الله : ” فزال
الإيهام ، فزال الكذب ” انظر : ” التنكيل ” (1/312)
وأما الفقهاء فيقررون شرط الإيهام في تعريف الكذب عند حديثهم عن القذف وصور اجتماعه
بالكذب أو افتراقه عنه ، فيقولون : ” الكاذب يوهم الكذب صدقا ” انتهى من ” أسنى
المطالب ” لزكريا الأنصاري (4/346)
ويمكن أن يستأنس لذلك أيضا بما كتبه بديع الزمان أحمد بن الحسين الهمذاني (ت 398هـ)
، من “المقامات” الأدبية ، وهي حكايات مصطنعة مبتكرة متنوعة في أغراضها ومقاصدها ،
يحكيها الهمذاني عن عيسى بن هشام ، وهي شخصية وهمية ، فقد قال الحريري في “مقدمة
مقاماته” (ص/2) : ” وبعد فإنه قد جرى ببعض أندية الأدب الذي ركدت في هذا العصر ريحه
، وخبت مصابيحه ، ذكر المقامات التي ابتدعها بديع الزمان ، وعلامة همذان ، رحمه
الله تعالى ، وعزا إلى أبي الفتح الإسكندري نشأتها ، وإلى عيسى بن هشام روايتها ،
وكلاهما مجهول لا يعرف ، ونكرة لا تتعرف ” انتهى .
أما مقامات الحريري فيبدو أنها أحداث حقيقية : انظر “سير أعلام النبلاء” (19/462).
ثم لم نسمع عن أحد من أهل العلم إنكارها ولا بيان كذبها والتحذير منها ، بل ما زالت
هذه المقامات تقرأ في مجالس الأدب ، ويستأنس بما فيها من بديع اللفظ والمعنى ،
ويَنسج على منوالها الأدباء والكتاب في القديم والحديث .

وهذا القول هو الراجح ، لعدم
صحة دليل التحريم ، وبه أفتى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ، حيث سئل السؤال الآتي :

” أنا شاب أهوى الكتابة ، وأقدم على كتابة الروايات والمسرحيات والقصص عن مواضيع
اجتماعية طيبة من نسج خيالي وتصوري ، وإني أسأل عن حكم كتابة هذه الروايات والقصص
وتقاضي المال عنها كجوائز تقديرية في المسابقات ، أو ممارستها كمهنة لطلب الرزق ؟
فأجاب :
هذه الأمور التي تتصورها في ذهنك ثم تكتب عنها لا يخلو :
إما أن تكون لمعالجة داء وقع فيه الناس حتى ينقذهم الله منه بمثل هذه التصويرات
التي تصورها.
وإما أن يكون تصويرا لأمور غير جائزة في الشرع .
فإن كان تصويرا لأمور غير جائزة في الشرع فإن هذا محرم ولا يجوز بأي حال من الأحوال
، لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان ، وقد قال الله سبحانه وتعالى : (
وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ
وَالْعُدْوَانِ ).

أما إذا كانت لمعالجة داء
وقع فيه الناس ، لعل الله ينقذهم منه بها ، فإن هذا لا بأس به ، بشرط أن تعرضه عرضا
يفيد أنه غير واقعي ، مثل أن تجعله أمثالا تضربها حتى يأخذ الناس من هذه الأمثال
عبراً ، أما أن تحكيها على أنها أمر واقع وقصة واقعة وهي إنما هي خيال ، فإن هذا لا
يجوز ، لما فيه من الكذب ، والكذب محرم ، ولكن من الممكن أن تحكيه على أنه ضرب مثل
يتضح به المآل والعاقبة لمن حصل له مثل هذا الداء .
واتخاذ ذلك سببا ووسيلة لطلب الرزق ليس فيه بأس إذا كان في معالجة أمور دنيوية ؛
لأن الأمور الدنيوية لا بأس أن تتطلب بعلم دنيوي ، أما إذا كان في أمور دينية فإن
الأمور الدينية لا يجوز أن تجعل سببا للكسب وطلب المال ؛ لأن الأمور الدينية يجب أن
تكون خالصة لله سبحانه وتعالى ، لقوله تعالى : ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ
الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا
يُبْخَسُونَ . أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ
وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )
والحاصل أن هذه التصورات التي تصورها بصورة القصص : إن كان فيها إعانة على إثم
وعدوان فإنها محرمة بكل حال ، وإن كان فيها إعانة على الخير ومصلحة الناس فإنها
جائزة ، بشرط أن تصورها بصورة التمثيل لا صورة الأمر الواقع ، لأنها لم تقع ، وأنت
إذا صورتها بصورة الأمر الواقع وهي لم تقع كان ذلك كذبا .
أما اتخاذها وسيلة للكسب المادي فإن كان ما تريده إصلاحا دنيويا ومنفعة دنيوية فلا
حرج ؛ لأن الدنيا لا بأس أن تكتسب للدنيا ، وأما إذا كان ما تريده إصلاحا دينيا فإن
الأمور الدينية لا يجوز للإنسان أن يجعلها وسيلة للدنيا ؛ لأن الدين أعظم وأشرف من
أن يكون وسيلة لما هو دونه ” انتهى من ” نور على الدرب ” (فتاوى الموظفين/سؤال رقم
24)
ويقول أيضا رحمه الله :
” الإنسان إذا ضرب مثلاً بقصة ، مثل أن يقول : أضرب لكم مثلاً برجل قال كذا أو فعل
كذا وحصلت ونتيجته كذا وكذا ، فهذه لا بأس بها ، حتى إن بعض أهل العلم قال في قول
الله تعالى : ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا
جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ ) الكهف/32، قال : هذه ليست حقيقة واقعة .
وفي القرآن : ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ
وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) الزمر/29.
فإذا ذكر الإنسان قصة لم ينسبها إلى شخص معين ، لكن كأن شيئاً وقع ، وكانت العاقبة
كذا وكذا ، فهذا لا بأس به .
أما إذا نسبه إلى شخص وهي كذب فهذا حرام ، تكون كذبة ” انتهى باختصار من ” لقاءات
الباب المفتوح ” (لقاء رقم/77، سؤال رقم/10).
وسئل الشيخ محمد الحسن الددو السؤال الآتي :
هل يعتبر الروائي كذابا لأنه ينسج قصصا لا أساس لها من الصحة ؟
فأجاب :
إنه ليس كذلك ؛ لأنه ما قصد بها التحديث بواقعة ، وإنما قصد بها التنفير من أمر
وظاهرة ، وهذا النوع مما يجوز في التعليم والبيان ، وقد قال الله تعالى : ( وَهَلْ
أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ . إِذْ دَخَلُوا عَلَى
دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى
بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ
الصِّرَاطِ . إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ
وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ . قَالَ لَقَدْ
ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ
لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ) فمن المعلوم أن الملائكة ليس لهم نعاج ، وأنه
لا يظلم بعضهم بعضاً ، وقد تسور هذان الملكان المحراب على داود فدخلا عليه في
المسجد وهو مغلق ، فذكرا له هذه القصة ليدرباه على القضاء ، فكانت تدريباً على عمل
القاضي ” انتهى مختصرا نقلا عن موقع الشيخ حفظه الله على الرابط الآتي :

http://www.dedew.net/text/fw_view.php?linkid=877&PHPSESSID=c2792387eb83611ad5eb8b6e18a28498

وقد سبق في موقعنا اختيار هذا القول في جواب السؤال رقم : (4505)
وانظر أيضا : (10836)
، (22496)

والحاصل أنه إذا التزم
الروائي أو كاتب القصة بالضوابط الشرعية ، بأن كانت روايته هادفة لتحقيق غرض مشروع
، ولم تشتمل على الإسفاف أو الإثارة المحرمة أو الاستهزاء أو غير ذلك من المحاذير
الشرعية ، فلا حرج عليه في كتابته واشتغاله بالرواية والقصة ، وليكن سببا في نشر
الخير من خلال هذا الفن الأدبي المؤثر .
والله أعلم .