الجواب :
الحمد لله
أولا :
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة مع مدافعة الحدث ، والانشغال بإمساكه عن
الخروج .
فعن عائشة رضي الله عنها قالت : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( لاَ صَلاَةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ ، وَلاَ وَهُوَ
يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ ) رواه مسلم ( 560 ) .
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرحه لصحيح مسلم ( 5/ 46) :
” فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث كَرَاهَة الصَّلَاة بِحَضْرَةِ الطَّعَام الَّذِي يُرِيد
أَكْله ، لِمَا فِيهِ مِنْ اِشْتِغَال الْقَلْب بِهِ ، وَذَهَاب كَمَالِ الْخُشُوع
، وَكَرَاهَتهَا مَعَ مُدَافَعَة الْأَخْبَثِينَ وَهُمَا : الْبَوْل وَالْغَائِط ”
انتهى .

لكن هذه الكراهة خاصة بحالة
الدخول إلى الصلاة وهو يدافع الأخبثين ، أما من دخل إلى الصلاة وهو لا يشعر بمدافعة
الغائط أو البول وإنما شعر بذلك وهو في وسط الصلاة فلا كراهة
حينئذٍ إذا لم تمنعه من إتمام صلاته .

سُئِلت اللجنة الدائمة
للبحوث العلمية والإفتاء : في بعض الأحيان يدافعني الغائط قبل الصلاة وأصلي ولكن لا
يدافعني أثناء الصلاة فهل تقبل صلاتي‏؟‏ وفي بعض الأحيان يجري العكس فهل تقبل
صلاتي‏؟‏
فأجابت اللّجنة :
” لا يجوز للمصلي أن يدخل في الصلاة وهو يدافع الغائط أو البول لقول النبي -صلى
الله عليه وسلم-‏:‏ ‏(‏لا صلاة بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان‏)‏ أخرجه مسلم
في صحيحه، والحكمة في ذلك والله أعلم أن ذلك يمنع الخشوع في الصلاة ، لكن لو صلى
وهو كذلك فإن صلاته صحيحة لكنها ناقصة غير كاملة للحديث المذكور ولا إعادة عليه‏ ،
وأما إذا دخلت في الصلاة وأنت غير مدافع للأخبثين وإنما حصلت المدافعة أثناء الصلاة
فإن الصلاة صحيحة ولا كراهة إذا لم تمنعك هذه المدافعة من إتمام الصلاة‏ ” .
انتهى من ” فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ” ( 7 / 25 – 26 ) .
وينظر جواب السؤال رقم : (159503) .

ثانيا :
من شك في خروج الريح منه : لا ينتقِض وضوؤه بمجرد هذا الشك ، بل عليه الاستمرار في
صلاته ، وصلاته في هذه الحالة صحيحة ، ولا إعادة عليه إلا إذا تيقن خروج الحدث منه
.
روى البخاري ( 137 ) ، ومسلم ( 361 ) عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ، وَعَن
عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ : ” أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ
يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاَةِ ، فَقَالَ: ( لاَ يَنْفَتِلُ- أَوْ لاَ
يَنْصَرِفُ- حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا ، أَوْ يَجِدَ رِيحًا ) .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : ( إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ ،
أَخَرَجَ مِنْهُ شيء أَمْ لاَ . فَلاَ يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى
يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا ) رواه مسلم ( 362 ) .
وللفائدة طالعوا الفتوى رقم : (114793) .

لكن يجب التنبّه إلى أنّ
المقصود بسماع الصوت ، وشم الرائحة : الإشارة إلى التيقّن من حصول الحدث وناقض
الوضوء ، أيا كان ذلك الناقض .
قال الحافظ ابن حجر : ” ودل حديث الباب على صحة الصلاة ما لم يتيقن الحدث ، وليس
المراد تخصيص هذين الأمرين – أي الشم والسماع – باليقين ” .
انتهى من ” فتح الباري بشرح صحيح البخاري ” ( 1/ 238 ) .

وفي ” فتاوى اللجنة الدائمة
للبحوث العلمية والإفتاء ” ( 5 / 255 ) :
” سؤال : هل كل ما يطلع من الإنسان من رائحة مبطلة (أنا أعرف أنها مبطلة) ، لكن
السؤال : متى تكون مبطلة ، أي هل هي مبطلة عند الصوت والشم والحس معا ، أم عند
الصوت والشم ولا يدخل معها الإحساس ؟
أرجو أن تبينوا لي هذه المسألة وفقك الله تعالى ، لأن الأمر اختلط علي.
الجواب : الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه . . وبعد:
أن ما ذكرته من نواقض الوضوء : إذا تيقن على أنه خرج منه شيء ، بسماع صوت أو وجود
رائحة ، أو غير ذلك مما يحصل به تيقن خروج الحدث ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم
لما سئل عن الرجل يجد الشيء في الصلاة قال : « لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا
» متفق على صحته ” انتهى .

ثالثا :
هذه القاعدة – اليقين لا يزول بالشك – هي قاعدة عامّة ، وليست خاصة بالطهارة
والصلاة .
قال الإمام النووي – رحمه الله تعالى – :
” وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام ، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه ، وهي أن الأشياء
يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك ، ولا يضر الشك الطارئ عليها ، فمن ذلك
مسألة الباب التي ورد فيها الحديث ، وهي أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث حكم
ببقائه على الطهارة ، ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة ، وحصوله خارج
الصلاة ؛ هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف …
ومن مسائل القاعدة المذكورة : أن من شك في طلاق زوجته ، أو عتق عبده ، أو نجاسة
الماء الطاهر ، أو طهارة النجس ، أو نجاسة الثوب أو الطعام أو غيره ، أو أنه صلى
ثلاث ركعات أو أربعا ، أو أنه ركع وسجد أم لا ، أو أنه نوى الصوم أو الصلاة أو
الوضوء أو الاعتكاف ، وهو في أثناء هذه العبادات ، وما أشبه هذه الأمثلة : فكل هذه
الشكوك لا تأثير لها ، والأصل عدم هذا الحادث .
وقد استثنى العلماء مسائل من هذه القاعدة ، وهي معروفة في كتب الفقه لا يتسع هذا
الكتاب لبسطها ، فإنها منتشرة ، وعليها اعتراضات ، ولها أجوبة ، ومنها مختلف فيه ”
.
انتهى من ” شرح صحيح مسلم للنووي ” ( 4 / 49 – 50 ) .
وقال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله تعالى – :
” وهذه – أعني البناءَ على اليقين وطرحَ الشَّكِّ – : قاعدة مهمَّة ، دَلَّ عليها
قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: « إِذا شَكَّ أحدكم في صلاته فليطرح الشَّكَّ
وليَبْنِ على ما استيقن » ، ولها فروع كثيرة جدًّا في الطلاق والعقود وغيرهما من
أبواب الفقه ، فمتى أخذ بها الإنسان انحلَّت عنه إشكالات كثيرة ، وزال عنه كثير من
الوَساوس والشُّكوك ، وهذا من بَرَكَةِ كلام النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وحكمه.
وهو أيضاً من يُسْرِ الإِسلام وأنه لا يريد من المسلمين الوُقوعَ في القلق والحيرة
؛ بل يريد أن تكون أمورهم واضحة جليَّة ، ولو استسلم الإِنسان لمثل هذه الشُّكوك
لتنغَّصت عليه حياته ؛ لأنَّ الشيطان لن يقف بهذه الوساوس والشكوك عند أمور
الطَّهارة فقط ، بل يأتيه في أمور الصَّلاة والصِّيام وغيرهما ، بل في كلِّ أمور
حياته ؛ حتى مع أهله ، فَقَطَعَ الشَّارع هذه الوساوس من أصلها ، وأمر بتركها ، بل
ودفعها حتى لا يكون لها أَثَرٌ على النفس ” .
انتهى من ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 1/ 312 ) .

والله أعلم .