الجواب :
الحمد لله
ينبغي أن يعلم أن الأصل ألا يجبر المريض على طعام أو شراب لا يشتهيه؛ لما روى
الترمذي برقم ( 2040 ), وابن ماجة برقم ( 3444) كلاهما عن عقبة بن عامر الجهني قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تكرهوا مرضاكم على الطعام ، فإن الله
يطعمهم ويسقيهم ) .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه , وقال الألباني :
صحيح
جاء في شرح سنن ابن ماجه للسيوطي وغيره (1 / 246) : ” ( لا تكرهوا مرضاكم ) الخ أي
إن لم يأكلوا برغبتهم , ولا تقولوا : إنه يضعف لعدم الأكل, ( فإن الله تبارك وتعالى
يطعمهم ويسقيهم ) , أي يرزقهم صبرا وقوة فإن الصبر والقوة من الله حقيقة لا من
الطعام والشراب ولا من جهة الصحة , قال القاضي أي يمدهم ويحفظ قواهم بما يفيد فائدة
الطعام والشراب في حفظ الروح وتقويم البدن .
قال الموفق : ما أغزر فوائد هذه الكلمة النبوية وما أجدرها للأطباء وذلك لأن المريض
إذا عاف الطعام والشراب فذلك لاشتغال طبيعته بمقادمة المرض فإعطاء الغذاء في هذه
الحال يضر جدا قوله : فإن الله يطعمهم ويسقيهم أي يشبعهم ويرويهم من غير تناول طعام
وشراب ” انتهى.
وقال ابن القيم – رحمه الله – في زاد المعاد في هدي خير العباد (4 / 83): ” قَالَ
بَعْضُ فُضَلَاءِ الْأَطِبَّاءِ : مَا أَغْزَرَ فَوَائِدَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ
النَّبَوِيَّةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى حِكَمٍ إِلَهِيَّةٍ ، لَا سِيَّمَا
لِلْأَطِبَّاءِ، وَلِمَنْ يُعَالِجُ الْمَرْضَى ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا
عَافَ الطَّعَامَ أَوِ الشَّرَابَ فَذَلِكَ لِاشْتِغَالِ الطَّبِيعَةِ
بِمُجَاهَدَةِ الْمَرَضِ ، أَوْ لِسُقُوطِ شَهْوَتِهِ أَوْ نُقْصَانِهَا لِضَعْفِ
الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ أَوْ خُمُودِهَا، وَكَيْفَمَا كَانَ فَلَا يَجُوزُ
حِينَئِذٍ إِعْطَاءُ الْغِذَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجُوعَ إِنَّمَا هُوَ طَلَبُ الْأَعْضَاءِ لِلْغِذَاءِ
لِتَخْلُفَ الطَّبِيعَةُ بِهِ عَلَيْهَا عِوَضَ مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهَا،
فَتَجْذِبُ الْأَعْضَاءَ الْقُصْوَى مِنَ الْأَعْضَاءِ الدُّنْيَا حَتَّى
يَنْتَهِيَ الْجَذْبُ إِلَى الْمَعِدَةِ ، فَيُحِسَّ الْإِنْسَانُ بِالْجَوْعِ ،
فَيَطْلُبُ الْغِذَاءَ ، وَإِذَا وُجِدَ الْمَرَضُ اشْتَغَلَتِ الطَّبِيعَةُ
بِمَادَّتِهِ وَإِنْضَاجِهَا وَإِخْرَاجِهَا عَنْ طَلَبِ الْغِذَاءِ أَوِ
الشَّرَابِ ، فَإِذَا أُكْرِهَ الْمَرِيضُ عَلَى اسْتِعْمَالِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ،
تَعَطَّلَتْ بِهِ الطَّبِيعَةُ عَنْ فِعْلِهَا ، وَاشْتَغَلَتْ بِهَضْمِهِ
وَتَدْبِيرِهِ عَنْ إِنْضَاجِ مَادَّةِ الْمَرَضِ وَدَفْعِهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ
سَبَبًا لِضَرَرِ الْمَرِيضِ ” انتهى.
ولقد أثبت الطب الحديث أن في الجسم مدخرات كبيرة يستفيد منها وقت الحرمان ، وأن
معظم الأمراض يصحبها عدم رغبة المريض في الطعام , وإطعام المريض كرها في هذه الحالة
يعود عليه بالضرر؛ لعدم قيام جهازه الهضمي بعمله كما يجب , مما يتبعه عسر الهضم مع
سوء حالة المريض .
ويمكن مراجعة هذه المعلومات على هذا الرابط:
http://www.jameataleman.org/agas/tasher/tasher26.htm#_ftn7
وعلى ذلك فلا يجوز إكراه المريض على الطعام والشراب إلا إذا وصل لحالة يخشى عليه
فيها الهلاك إن لم يتناول طعامه , فيجوز حينئذ إعطاؤه من الأغذية ما يتناسب مع مرضه
وهذا أمر يقرره الأطباء المتخصصون .
وأما إكراه المريض على أخذ الدواء فالأصل أنه غير مستحب وبهذا صرح فقهاء الشافعية ,
فقال النووي في المجموع شرح المهذب (5 / 118) : ” ويستحب أن لا يكره المريض على
الدواء وغيره من الطعام ” انتهى.
لكن إن خيف على المريض الهلاك إن لم يتناول الدواء فالذي يظهر – والعلم عند الله –
أنه يجوز حينئذ إكراهه على ذلك , جاء في الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (2 /
78) : ” قال في الروضة: ويكره إكراهه على تناول الدواء اهـ . الظاهر أن هذا إن لم
يعلم أو يظن أن تركه يفضي إلى الهلاك كما قيل في أصل التداوي ” انتهى.
وبناء على ما سبق من كلام الفقهاء – رحمهم الله – يظهر أن ما حدث منك من السماح
للأطباء أو الممرضين بإعطاء الغذاء والدواء لوالدك – رحمه الله – قهرا , إنما كان
بعد الخوف عليه من الهلاك أو تزايد المرض ، إذا لم يتناول العلاج ، أو التغذية ،
وهذا لا حرج عليك فيه إن شاء الله ، وليس أيضا من العقوق ؛ بل هو من الإحسان إلى
الوالد ؛ فلا تفتح على نفسك باب الوساوس والهموم لأجل ذلك .
مع التنبيه على أن من بِرِّك لوالدك بعد موته أن تكثر من الدعاء له بالرحمة وأن
تكثر من الاستغفار له والصدقة عنه , فهذا مما ينتفع به الميت بإذن الله , كما بيناه
في الفتوى رقم: (42384)
.
والله أعلم .
