الجواب :
الحمد لله
أولا :
تجب التوبة إلى الله تعالى من الذنوب جميعا ، قال عز وجل : ( وَتُوبُوا إِلَى
اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) النور/31 .
وقال تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) الحجرات / 11
.
قال ابن القيم رحمه الله :
” قسّم العباد إلى تائب وظالم ، وما ثم قسم ثالث ألبتة ، وأوقع اسم الظالم على من
لم يتب ، ولا أظلم منه ؛ لجهله بربه وبحقه ، وبعيب نفسه ، وآفات أعماله ” .
انتهى من ” مدارج السالكين” (1 /178) .
ثانيا :
ليس هناك ذنب ، الشرك فما دونه من الذنوب والخطايا والموبقات ، ليس من هذا كله شيء
أعظم من مغفرة الله ، ورحمته ، وعفوه ؛ فقط كل ما هنالك أن ينيب العبد إلى ربه ،
ويقبل إليه بقلبه ، ويصحح توبته من الذنوب والخطايا ؛ قال الله تعالى : ( قُلْ يَا
عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ
يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا
أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ
بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) الزمر/53-55 .
عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُولُ : ” قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ( … يَا ابْنَ آدَمَ
لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي : غَفَرْتُ
لَكَ وَلَا أُبَالِي !!
يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ، ثُمَّ
لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا : لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً )
رواه الترمذي (3540) ، وحسنه ، وصححه الألباني في “صحيح الترمذي” .
قال ابن القيم رحمه الله :
” وهو سبحانه يغفر الذنوب وإن تعاظمت ولا يبالى، فيبطلها ويبطل آثارها ، بأدنى سعى
من العبد وتوبة نصوح وندم علي ما فعل ، وما ذاك إلا لوجود ما يحبه من توبة العبد
وطاعته وتوحيده ” انتهى من “الفوائد” (ص 126) .
فالتوبة تجب ما قبلها ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب عليه .
ثالثا :
الواجب على المسلم ألا يصر على فعل الذنوب ، فإن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة
، وقد قال تعالى في وصف عباده المتقين :
(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا
اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) آل عمران/ 135 .
قال ابن كثير رحمه الله :
” قَوْلُهُ (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أَيْ تَابُوا
مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَرَجَعُوا إِلَى اللَّهِ عَنْ قَرِيبٍ ، وَلَمْ يَسْتَمِرُّوا
عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَيُصِرُّوا عَلَيْهَا غَيْرَ مُقْلِعِينَ عَنْهَا، وَلَوْ
تَكَرَّرَ مِنْهُمُ الذَّنْبُ تَابُوا عَنْهُ ” انتهى من ” تفسير ابن كثير” (2/
109) .
قال النووي رحمه الله :
” لَوْ تَكَرَّرَ الذَّنْبُ مِائَةَ مَرَّةٍ أَوْ أَلْفَ مَرَّةٍ أَوْ أَكْثَرَ
وَتَابَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَسَقَطَتْ ذُنُوبُهُ ، وَلَوْ
تَابَ عَنِ الْجَمِيعِ تَوْبَةً وَاحِدَةً بَعْدَ جَمِيعِهَا صَحَّتْ تَوْبَتُهُ ”
.
انتهى ” شرح النووي على مسلم ” (17/ 75) .
خامسا :
من علامات إيمان العبد أن تسره حسنته ، وتسوؤه سيئته .
روى أحمد (144) عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أن رَسُول اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ
سَيِّئَتُهُ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ ) وصححه محققو المسند .
فمحبة العبد للتوبة ، ورغبته في الاستقامة ، وبغضه للذنب الذي يفعله ، وشعوره بالهم
والغم بارتكابه : من علامات صحة الإيمان ، ومن تصحيح التوبة والرجوع إلى الله .
وقد روى البخاري (6308) عن ابن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ : ” إِنَّ الْمُؤْمِنَ
يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ ،
وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ
هَكَذَا ” .
سادسا:
الخوف الحقيقي من الله ، هو ما حجز عن محارم الله ، وأول التوبة عدم الإصرار على
الذنب .
قال ابن القيم رحمه الله :
” الْخَوْفُ الْمَحْمُودُ الصَّادِقُ : مَا حَالَ بَيْنَ صَاحِبِهِ وَبَيْنَ
مَحَارِمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: صِدْقُ الْخَوْفِ هُوَ الْوَرَعُ عَنِ الْآثَامِ ظَاهِرًا
وَبَاطِنًا.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ
يَقُولُ: الْخَوْفُ الْمَحْمُودُ مَا حَجَزَكَ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ ” انتهى من
“مدارج السالكين” (1/ 510) .
فطريق التوبة : الاستقامة على طاعة الله ، وترك معصيته ، وعدم الإصرار على فعل
الذنب ، وخير الخطائين التوابون ، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين ، فلا يكفي
اعتراف العبد بالذنب مع تماديه فيه ، حتى يتوب إلى ربه ، ويسعى جاهدا في ذلك ،
ويكثر من العمل الصالح ، فإن الحسنات يذهبن السيئات .
وعلى ذلك يفهم قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُلُّ ابْنِ آدَمَ
خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) رواه الترمذي (2499) وحسنه
الألباني .
قال القاري في “المرقاة” (4/ 1622):
” أَيِ: الرَّجَّاعُونَ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى
الطَّاعَةِ ، أَوْ بِالْإِنَابَةِ مِنَ الْغَفْلَةِ إِلَى الذِّكْرِ ” انتهى .
وقال السندي في “حاشيته على ابن ماجة” (2/ 562):
” أَيْ: دُونَ الْمُصِرِّينَ ، فَإِنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغِيرَةِ
يَجْعَلُهَا كَبِيرَةً ؛ فَكَيْفَ عَلَى الْكَبِيرَةِ ؟ ” انتهى .
فالمصر على الذنوب ، المكثر منها ، ليس من التوابين في شيء ، بل هو من “الخطائين”
فقط ، فليحذر العبد ما عند الله من غضب وعقاب ، أن يحل به ، قبل أن يبادر بتوبته ،
أو يأتيه أجله .

وينظر للفائدة جواب السؤال
رقم : (46683) ، (23491)
.

والله تعالى أعلم .