الجواب :
الحمد لله
لم تبيني لنا أيتها السائلة هذا الذي يفعله هذا الرجل حتى استحق منك الحكم عليه
بالشرك ، ولكن على أية حال إن ثبت فعلا كونه مشركا بالله فلا يجوز لمسلمة أن تتزوجه
؛ لأن الله سبحانه أمر المسلمين ألا يزوجوا بناتهم لأهل الشرك ، وبيَّن سبحانه
العلة من هذا التحريم وهي أن زواج المسلمة من المشرك يفتح عليها باب الفتنة في
الدين والردة عن الإسلام ، فقال سبحانه .
( وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ
مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ
يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )البقرة/ 221 .
قال البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره : “وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى
يُؤْمِنُوا ، هَذَا إِجْمَاعٌ : لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمَةِ أَنْ تَنْكِحَ
الْمُشْرِكَ ، ( وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ
أُولَئِكَ ) يعني : المشركين ( يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) أَيْ : إِلَى
الْأَعْمَالِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّارِ ” .
انتهى من ” تفسير البغوي “(1 / 256) .
وقال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره (3 / 72):” قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلا
تَنْكِحُوا المشركين ) أَيْ لَا تُزَوِّجُوا الْمُسْلِمَةَ مِنَ الْمُشْرِكِ ،
وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكَ لَا يَطَأُ الْمُؤْمِنَةَ
بِوَجْهٍ ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْغَضَاضَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ ” انتهى.
وقال سبحانه وتعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ
الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ
فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا
هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ) الممتحنة/ 10.
قال ابن كثير – رحمه الله تعالى – في تفسيره (8 / 93): ” وَقَوْلُهُ تعالى : ( لَا
هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ) : هَذِهِ الْآيَةُ هِيَ الَّتِي
حَرّمَت الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ، وَقَدْ كَانَ جَائِزًا فِي
ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمُشْرِكُ الْمُؤْمِنَةَ ” انتهى .
وقال الشوكاني في ” فتح القدير” (5 / 256):”وَجُمْلَةُ ( لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ
وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ) تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ إِرْجَاعِهِنَّ ،
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَةَ لَا تَحِلُّ لِكَافِرٍ ، وَأَنَّ
إِسْلَامَ الْمَرْأَةِ يُوجِبُ فُرْقَتَهَا مِنْ زَوْجِهَا ” انتهى .
وقد كان من الواجب عليكم أن تحتاطوا لابنتكم ، وأن تختاروا لها من بين من يتقدمون
لها صاحب الدين والخلق ، وتسألوا عن أحواله وتستقصوا عن شؤونه وأخباره ، ولكنكم
تهاونتم في ذلك وفرطتم حتى حدث ما حدث ، وتزوجت بهذا المشرك ، حسب قولكم ، وقد وقع
هذا الزواج لا شك من حين حصوله باطلا بإجماع المسلمين فالواجب على ابنتك أن تفارق
هذا الرجل فورا دون طلاق ؛ لأن الطلاق فرع عن وقوع النكاح صحيحا ، وهذا قد وقع
باطلا من أصله .
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – : ” تزوج رجل بامرأة مسلمة ، ثم ظهر أن
الرجل كافر ، فما الحكم ؟
فأجاب : إذا ثبت أن الرجل المذكور حين عقد النكاح كان كافراً ، والمرأة مسلمة : فإن
العقد يكون باطلاً ؛ لأنه لا يجوز بإجماع المسلمين نكاح الكافر للمسلمة ؛ لقول الله
سبحانه – ( وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ) وقوله – عز وجل –
( فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا
هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ) الآية ” انتهى من ” فتاوى
إسلامية ” ( 3 / 230 ) .
وجاء في قرار ” المجمع الفقهي الإسلامي ” : ” إن تزويج الكافر بالمسلمة : حرام لا
يجوز ، باتفاق أهل العلم ، ولا شك في ذلك ؛ لما تقتضيه نصوص الشريعة … ” .
انتهى من ” فتاوى إسلامية ” ( 3 / 231 ) .
والواجب عليكم أن تتوبوا إلى الله سبحانه وتستغفروه من هذا التفريط ، وتستدركوا ذلك
مع ابنتكم.

وهذا كله ، فيما إذا كان مرادكم بهذا الرجل المشرك : أنه تبين لكم كونه على ملة
أخرى سوى دين الإسلام ، مثل طوائف البابية ، والبهائية ، والقاديانية ، والبهرة ،
ونحو ذلك من الطوائف الخارجة عن ملة الإسلام .
وأما إذا كان مرادكم أنه مسلم ، من حيث أصل ملته ، لكنه يعمل عملا من أعمال
المشركين ، التي تخفى على أمثاله من المسلمين ، خاصة في البلاد التي يضعف فيها
العلم النبوي ، ويقل فيها ظهور الحجة الرسالية ؛ فمثل هذا يعرف بما جاء به الرسول
في مثل ذلك الأمر ، ويبين له دين الله ، وتقام عليه الحجة النبوية ؛ فإن تاب مما هو
عليه ، وتركه : فلا حرج في بقاء ابنتكم عنده .
وإن أصر على ما هو عليه : كان الحكم على ما مضى ، من التفريق بينهما .

واعلمي أيتها السائلة أن النكاح في الإسلام لا بد فيه من الولي ، فلا يجوز
للمرأة أن تزوج نفسها ولا أن تزوجها امرأة مثلها ، وقد سبق بيان هذا بالتفصيل في
الفتوى رقم : (104852).
والله أعلم .