الجواب
الحمد لله
أولا :
الواجب عليك تجاه أهلك أن تجمع بين برهم ونصحهم ، فإن بر الوالدين واجب على الأبناء
، مطلقا ، أيا كان حال الوالدين ، وإن كان مشركين ، بل وإن أمرا ولدهما بالشرك
بالله ، فقد حرم الله طاعتهما في ذلك ، ولم يسقط عن الابن حقهما في بره ، قال الله
تعالى : ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ
لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ
مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) العنكبوت/8 .
وقوله تعالى : ( وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ
وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ
إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ
بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا
وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) لقمان/14-15
وينظر جواب السؤال رقم : (27105)، ورقم: (112006)
، ورقم: (214559) .

ثانيا :
وأما عن خصلة الكذب ، وهي شر ما وقعت فيه ، وشر ما يتصف به العبد من خلق ذميم ،
عافا الله وإياك ، بمنه وكرمه ؛ فالواجب عليك أن تقلع عنها تماما ، فالكذب لا يصلح
من المسلم في شيء ، لا في جد ولا هزل ، بل الواجب عليه أن ينتهي عنه كله ، ويلزم
نفسه الصدق في أمره كله ؛ قال تعالى : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) التورة/119

ومما يعينك على التوبة من
هذه الكبيرة ، والتخلص من تلك الخصلة الذميمة أمور :
أولها : الاستعانة بالله جل في علاه ، فقد ورد في الحديث: (وَمَنْ يَسْتَغْنِ
يُغْنِهِ اللَّهُ) متفق عليه.
وقال تعالى : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ
الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) سورة الفاتحة/5-7 .

فالتعبد لله بالصدق ، ومثله
سائر شعب الإيمان ، وطرائق المهتدين ، لا يسلم للعبد إلا بالاستعانة به سبحانه ؛
فإنه لا حول ولا قوة لنا إلا بالله ؛ أي : أننا لا نتحول من حال إلى حال ، ولا نقوى
على فعل من الأفعال إلا بالله الكبير المتعال !

2- التعبد لله سبحانه باسمه
[ السميع ] ، ذلك الاسم الرفيع الجليل من أسمائه تعالى الحسنى ؛ قال جل وعلا معاتبا
عباده في استفهام إنكاري بديع : ( أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ
وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ) الزخرف/80 .
فالله سبحانه يسمع السر والنجوى ، ويسمع الجهر والعلانية ، ورسله من الملائكة تكتب
ما نتلفظ به في الحالين ؛ قال تعالى : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ
وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ
الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ
قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) ق/16-18 .

3- التأمل في عاقبة الصدق ،
وأنه في ذاته يهدي إلى الخير كله ، فعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : ( إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي
إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا ، وَإِنَّ
الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ،
وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) رواه
البخاري (6094) ، ومسلم (2607).
قال الإمام النووي في ” شرح مسلم ” ( 16/160 ) :
“قال العلماء: معناه : أن الصدق يهدي إلى العمل الصالح الخالص من كل مذموم ، والبر
اسم جامع للخير كله ، وقيل : البر الجنة ، ويجوز أن يتناول العمل الصالح والجنة .

وأما الكذب : فيوصل إلى الفجور ، وهو الميل عن الاستقامة ، وقيل : الانبعاث في
المعاصي” انتهى .
ثم قال رحمه الله :
“قال العلماء : هذا فيه حث على تحري الصدق ، وهو قصده والاعتناء به ، وعلى التحذير
من الكذب والتساهل فيه ؛ فإنه إذا تساهل فيه : كثر منه ، فعرف به .
وكتبه الله لمبالغته [ يعني :في الصدق ] : صديقا ، إن اعتاده . أو كذابا ، إن
اعتاده [ أي اعتاد الكذب] ” انتهى .
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ ،
وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ ) رواه
الخطيب البغدادي في ” تاريخ بغداد ” (9 / 127) وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة
“(342) .

فلا تلتمس – يا عبد الله –
رضى الناس في سخط رب الناس !
تصالح مع نفسك ، ولا يكن همك رضاهم عنك ، وعن أهلك ، فإنهم لن يغنوا عنك من الله
شيئا
فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
(مَنِ الْتَمَسَ رِضَى اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ،
وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ ،
سَخَطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ) رواه ابن حبان (276)،
وصححه الألباني في ” الصحيحة ” (2311) .

ثالثا :
يا عبد الله ، أنعم الله عليك ووفقك للاجتهاد في حفظ القرآن ، ومحبة أهل العلم
والدين ، وهذا في ذاته دافع عظيم للتأدب بآداب أهل القرآن ، الذين هم أهل الله
وخاصته .
ومن هذه الآداب أن تكون من أهل السكينة والوقار ، والعمل بطاعة العزيز الغفار ،
وهذا لا يتعارض مع المزاح والتبسم وملاطفة أقرانك ، بل إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان أكثر الناس تبسما
فعن عبد الله بن الحارث قال : “مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” . رواه الترمذي (3641) ،
وصححه الألباني .

وأما المزاح المنهي عنه فقال
فيه الإمام النووي رحمه الله :
“قال العلماءُ: المزاحُ المنهيُّ عنهُ، هُو الذي فيه إفراطٌ ، ويُداوم عليه ، فإنه
يُورث الضحك وقسوةَ القلب ، ويُشغل عن ذكر الله تعالى والفكر في مهمات الدين ،
ويؤولُ في كثيرٍ من الأوقات إلى الإِيذاء ، ويُورثُ الأحقاد ، ويُسقطُ المهابةَ
والوقارَ، فأما ما سَلِمَ من هذه الأمور، فهو المباحُ الذي كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يفعلهُ ، فإنه صلى الله عليه وسلم إنما كان يفعلهُ في نادرٍ من الأحوالِ
لمصلحةٍ ، وتطييب نفس المخاطب ومؤانستهِ ، وهذا لا منعَ منهُ قطعاً، بل هو سنةٌ
مستحبةٌ إذا كان بهذهِ الصفةِ ، فاعتمدْ ما نقلناهُ عن العلماء وحققناهُ في هذه
الأحاديث وبيان أحكامها، فإنه مما يعظمُ الاحتياجُ إليه ؛ وبالله التوفيق.” انتهى
من “الأذكار” (521) .

رابعا :
دراسة الطب فرض من الفروض الكفائية على عموم المسلمين ، إذا قام بها بعضهم سقط عن
الباقين ، وهو ـ كذلك ـ باب عظيم من أبواب الدعوة ، وسبب كبير من أسباب قبول الناس
لما تحمله من العلم الشرعي ؛ وذلك لأنه جرت عادة الناس بأن يربطوا ذهنيا ونفسيا ،
بين التفوق في طب الأبدان والتفوق في طب الأديان ، فكونك طبيبا يمثل لهم في ذاته
قدرا من المصداقية في دعوتك وكلامك ، وهذا مشاهد معروف لا يخفى .
ثم إن من أخطر ما يكون على العبد في سيره ، في مصلحة دينه ودنياه ، أن يشرع في أمر
مشروع ، أو مباح ، وهو من الأمور الحسنة المحتاج إليها ، ثم هو يقطع شوطه قبل
نهايته ، وينصرف إلى غيره .

وبناء عليه : فننصحك أخانا
الكريم بالجمع بين طب الأبدان ، وطب الأديان في دراستك ، ولا تلتفت لفكرة التخلي عن
دراسة الطب للتفرغ للعلوم الشرعية ، واضرب في كل غنيمة بسهم .
وحذار حذار من ترك ما أنت فيه ، لأجل فكرة عرضت لك ، أو بارق لاح لنظرك ؛ فكم من
شباب فعلوا مثل هذا ، فتركوا دراستهم الدنيوية – بالرغم من تفوقهم فيها ، أو تأهلهم
لها – على أمل أن يتفرغوا للدراسات الدينية ، فاضطرب دينهم وحالهم ، واضطربت دنياهم
، ولم يحصلوا شيئا في مآل أمرهم ، واكتشفوا في نهاية سعيهم : أن هذا لم يكن إلا
بمثابة الهروب من واقعهم ، ومصاعب الطريق التي يسلكونها .

وفقنا الله وإياك لما يحب
ويرضى وثبتنا وإياك على الكتاب والسنة وسبيل المؤمنين من سلف الأمة .

والله أعلم .