الجواب :
الحمد لله
يمكننا أن نجيب هذا المعترض أو صاحب الشبهة من خلال تذكيره بأمور أساسية لا بد من
مراعاتها في فهم هذا الموضوع والتدقيق فيه :
أولا :
ليس ثمة شيء في الوجود إلا وبينه وبين الأشياء الأخرى وجه شبه ، ولو في بعض المعاني
المطلقة ، فالإنسان يشبه الجماد في كون كل منهما موجودا مخلوقا ، ويشبه الحيوان في
أوجه كثيرة ، فكل منهما كائن حي يأكل ويشرب ويحيا ويموت ، بل يُعَرِّفُ المناطِقَة
الإنسان بأنه : حيوان ناطق .
وكذلك بين الإنسان والنبات أوجه شبه كثيرة من جهة حياة كل منهما ، وإثماره ، وحاجته
للغذاء ، ونحو ذلك .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
” كل موجودين فلابد أن يكون بينهما نوع مشابهة ولو من بعض الوجوه البعيدة ورفع ذلك
من كل وجه رفع للوجود ” انتهى من “بيان تلبيس الجهمية” (7/569) .
ولا يعرف عن العقلاء والمفكرين أن أحدا عد كل أوجه الشبه السابقة عيبا في الإنسان
يستوجب الذم والقدح فيه ؛ فهي أوجه شبه إما محمودة ، وإما أنها خلقية لا توصف بمدح
ولا ذم .
ثانيا :
التشبيه في اللغة والمنطق يشتمل على أربعة أركان : المشبَّه ، والمشبَّه به ، ووجه
الشبه ، وأداة التشبيه .
وإذا طلبنا الحكم على تشبيه معين هل نعده ذما أو مدحا ، فإن من الخلل الاقتصار في
النظر على ( المشبَّه به ) ، بل لا بد من النظر في ( وجه الشبه ) أيضا .
وقد ورد عن بعض الصحابة تشبيه فعل نفسه بفعل الدابة ، كما قال عمار بن ياسر رضي
الله عنه : ” بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي
حَاجَةٍ ، فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا
تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ ” رواه البخاري (347) ، ومسلم (368) .
ولم يفهم أحد من الناس أنه يقصد تشبيه نفسه بالدابة من كل وجه ، تشبيها مذموما لا
قدر الله ، إذ لا تحتمل لغة العرب ذلك أبدا .
إذن فلا بد من فهم اللغة العربية التي هي لغة القرآن والسنة ، قبل الخوض في هذه
الشبهات الساقطة ، التي تدل على جهل تام بالأسلوب العربي . ولا بد من التدقيق في
وجه الشبه قبل الاتهام بأن التشبيه ذم للمرأة مطلقا أو قدح لجنس النساء .
ثالثا :
من نظر في الحديث المقصود في سؤال السائل ، وهو حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه
قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَقْطَعُ
الصَّلاَةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ
مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ ) رواه مسلم (511)، علم أن ( وجه الشبه ) المقصود ليس شيئا
يتعلق بالصفات السيئة لكل من الحمار والكلب ، أو أن المرأة في درجة هذه الدواب
والعياذ بالله ، فهذا من ساقط الظن وتافه القول ، وعائشة رضي الله عنها لم تقصد ذلك
مطلقا عندما سمعت هذا الحديث فقالت : ( شَبَّهْتُمُونَا بِالحُمُرِ وَالكِلاَبِ )
رواه البخاري (514)!!!
وإنما ( وجه الشبه ) المراد هنا هو : مجرد الاشتراك في فعل معين ، يتعلق بالصلاة ؛
وهو إخراج المصلي عن خشوعه واتصاله بالله سبحانه وتعالى ، وعائشة رضي الله عنها لا
توافق على أن مرور المرأة يخرج الصلاة عن هيئتها الخاشعة لله سبحانه ، وخالفها في
ذلك كثير من الصحابة الكرام .
وينبغي أن نتنبه إلى أن أصل المرور بين يدي المصلي ، وتأثر صلاة المصلي بمن يمر من
أمامه ، كائنا ما كان المار ، رجلا أو امرأة ، إنسانا أو حيوانا هذا كله ممنوع من
حيث الأصل ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام في منع الجميع من هذا الفعل المذموم : (
لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ
يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ) قَالَ أَبُو
النَّضْرِ : لاَ أَدْرِي أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً ”
رواه البخاري ( 510 ) .
بل روى البخاري (487) ، ومسلم (505) : ” أن أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ كان فِي
يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ ، فَأَرَادَ
شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَدَفَعَ أَبُو
سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَّا بَيْنَ
يَدَيْهِ ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ ، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنْ الْأُولَى
، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا
لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ ،
فَقَالَ : مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ ، يَا أَبَا سَعِيدٍ ؟
قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِذَا
صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ
يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ ،
فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ) .
قال النووي رحمه الله :
” قَوْلُهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : ( فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ )
قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : مَعْنَاهُ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى مُرُورِهِ
وَامْتِنَاعِهِ مِنَ الرُّجُوعِ الشَّيْطَانُ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ يَفْعَلُ
فِعْلَ الشَّيْطَانِ ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ بَعِيدٌ مِنَ الْخَيْرِ وَقَبُولِ
السُّنَّةِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ الْقَرِينُ كَمَا جَاءَ فِي
الْحَدِيثِ الْآخَرِ ( فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينُ ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ ” انتهى من
“شرح مسلم” (4/167) .
ومن الواضح هنا : أن هذا الحديث عام في كل من أراد أن يجتاز بين يدي المصلي ، وأن
قصة أبي سعيد هذه : لا مدخل للنساء فيها البتة !!
رابعا :
إذا كان المرور بين يدي المصلي ممنوعا كله ، سواء في ذلك الرجل أو المرأة ، وإذا
كان ذلك يؤثر أيضا في صلاته ؛ فقد ذهب بعض أهل العلم في تأويل القطع المذكور في هذه
الأحاديث، إلى أنه ليس المراد به إبطال الصلاة ، وإلزام إعادتها، وإنما المراد به
القطع عن إكمالها والخشوع فيها بالاشتغال بها، والالتفات إليها .
قال القرطبي رحمه الله :
” ذلك أن المرأة تفتن ، والحمار ينهق ، والكلب يروع ، فيتشوش المتفكر في ذلك حتى
تنقطع عليه الصلاة وتفسد ، فلما كانت هذه الأمور آيلة إلى القطع ، جعلها قاطعة ” .
انتهى من ” المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم ” (2/109) .
وقال ابن رجب رحمه الله ، بعد ما ذكر نحوا من هذا التأويل :
” وأقرب من هذا التأويل: أن يقال: لما كان المصلي مشتغلا بمناجاة الله ، وهو في
غاية القرب منه والخلوة به ، أمر المصلي بالاحتراز من دخول الشيطان في هذه الخلوة
الخاصة ، والقرب الخاص ؛ ولذلك شرعت السترة في الصلاة خشية من دخول الشيطان ، وكونه
وليجة في هذه الحال ، فيقطع بذلك مواد الأنس والقرب ؛ فإن الشيطان رجيم مطرود مبعد
عن الحضرة الإلهية، فإذا تخلل في محل القرب الخاص للمصلي : أوجب تخلله بعدا وقطعا
لمواد الرحمة والقرب والأنس .
فلهذا المعنى – والله اعلم – خصت هذه الثلاث بالاحتراز منها، وهي:
المرأة ؛ فإن النساء حبائل الشيطان ، وإذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان،
وإنما توصل الشيطان إلى إبعاد آدم من دار القرب بالنساء .
والكلب الأسود: شيطان ، كما نص عليه الحديث.
وكذلك الحمار؛ ولهذا يستعاذ بالله عند سماع صوته بالليل ، لأنه يرى الشيطان .
فلهذا أمر – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بالدنو من السترة ، خشية أن يقطع
الشيطان عليه صلاته ، وليس ذلك موجبا لإبطال الصلاة وإعادتها ، والله أعلم ؛ وإنما
هو منقص لها، كما نص عليه الصحابة ، كعمر وابن مسعود ، كما سبق ذكره في مرور الرجل
بين يدي المصلي ، وقد أمر النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بدفعه
وبمقاتلته ، وقال: ( إنما هو شيطان ) ، وفي رواية : أن معه القرين ؛ لكن النقص
الداخل بمرور هذه الحيوانات التي هي بالشيطان أخص : أكثر وأكثر، فهذا هو المراد
بالقطع ، دون الإبطال والإلزام بالإعادة. والله اعلم. ” .
انتهى من “فتح الباري” لابن رجب (4/135) .
خامسا :
ليس من الإنصاف ولا من العدل في شيء : أن يعمد الباحث ، أيا ما كان دينه ، ومذهبه ،
إلى نص منفرد ، مشتبه ، يحتمل من الدلالات ، ما لا علاقة له بموضوع نظره وبحثه ، ثم
يجعله طعنا في دين كامل متكامل التشريعات والآداب ، كدين الإسلام ، متعاميا عن
عشرات النصوص والأصول التي تكرم المرأة في ذلك الدين ، بما لم يكرمها غيره من
الأديان ولا الشرائع ولا القوانين.
فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت ، قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : (
إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَال ).
رواه الترمذي (113) ، وصححه الألباني في “صحيح ابي داود ” (234 ) .
قال الخطابي: ” وقوله النساء شقائق الرجال ؛ أي نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع
، فكأنهن شققن من الرجال …
وفيه من الفقه … أن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطابا للنساء إلا مواضع
الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيها ” انتهى من ” معالم السنن ” ( 1 / 79 ) .
واستدل أهل العلم بهذا الحديث على أن الأصل أن ما يجب للذكور يجب للإناث ، وما يجوز
للذكور يجوز للإناث ولا يفرق بينهما إلا بنص .
ولهذا القرآن يخاطب المرأة كما يخاطب الرجل والنصوص على هذا كثيرة .
كقوله تعالى : ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ ) النحل /97 .
وكقوله تعالى : ( إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ
وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ
وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ
وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا
وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا )
الأحزاب/35.
وينظر للفائدة جواب السؤال رقم : (70042)
، ورقم : (40405) ، ورقم : (132959)
.
والله أعلم .
