الجواب :
الحمد لله
لا يجوز للزوج أن يضرب زوجته دون سبب معتبر شرعا ، من نشوز ، أو مخالفة لأمره ، فإن
نشزت أو خالفت أمره : جاز له – بعد نصحها ، ووعظها ، وهجرها في المضجع – أن يضربها
، بشروط :
الأول: أن يكون الضرب غير مبرح ؛ إذ المقصود منه الزجر والتأديب ، لا الانتقام
والقصاص .
الثاني : أن يتجنب الوجه والأماكن المـَخُوفة ؛ لأن المقصود منه التأديب لا الإتلاف
.
الثالث : أن يغلب على ظنه أن الضرب سيفيد في علاج النشوز ، فإن غلب على ظنه عدم
إفادته ، لم يجز له الإقدام عليه .
وليعلم الزوج – وغيره – أن من ضرب غيره سوطاً بغير حق : فإنه متوعد عليه بالعقوبة
يوم القيامة ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
: ( مَنْ ضَرَبَ سَوْطاً ظُلْماً ، اقتُصَّ مِنْهُ يَوْمَ القِيَامَة ) قال الهيثمي
– رحمه الله – : رواه البزار والطبراني في ” الأوسط ” ، وإسنادهما حسن . ” مجمع
الزوائد ” ( 10 / 353) ، وهو في الطبراني في ” الكبير ” ، وحسَّنه المنذري ، وصححه
الألباني ، يراجع : ” صحيح الترغيب والترهيب ” ( 2291 ) ، ويراجع للفائدة الفتوى
رقم : (150762).
فإن كنت أيها الزوج ، إنما تضرب زوجتك حال تمردها ونشوزها ، وبالشروط الشرعية للضرب
التي سبق ذكرها ، فهنا لا يجوز لها طلب الطلاق ، لكن إن كرهت البقاء معك جاز لها أن
تختلع منك ، بأن تتنازل لك عن حقوقها ، أو عن بعضها ، كما سبق بيانه في الفتوى رقم
: (26247) .
أما إن كنت قد اعتدت أن تضربها دون سبب ، بل لمجرد الخلاف بينكما، فهنا يجوز لها
طلب الطلاق للضرر ؛ فقد نص أهل العلم على أن الزوجة لها طلب الطلاق إذا ضربها زوجها
ضربا مؤلما دون سبب ، جاء في ” شرح مختصر خليل للخرشي ” (4 / 9): ” إذَا ثَبَتَ
بِالْبَيِّنَةِ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ الزَّوْجَ يُضَارِرُ زَوْجَتَهُ وَهِيَ فِي
عِصْمَتِهِ ، وَلَوْ كَانَ الضَّرَرُ مَرَّةً وَاحِدَةً ؛ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ
يَثْبُتُ لِلزَّوْجَةِ الْخِيَارُ، فَإِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ عَلَى هَذِهِ
الْحَالَةِ ، وَإِنْ شَاءَتْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ بَائِنَةٍ ،
لِخَبَرِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ، فَلَوْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ
فَإِنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْوَاحِدَةِ لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ .
وَمِنْ الضَّرَرِ : قَطْعُ كَلَامِهِ عَنْهَا ، وَتَحْوِيلُ وَجْهِهِ عَنْهَا،
وَضَرْبُهَا ضَرْبًا مُؤْلِمًا ” انتهى.
فإن طلَّقْتَها في هذه الحالة ، وجب عليك أن توفيها حقها بالكلية ، ومنها النفقة
فترة العدة ؛ لأن الْمُطَلَّقَةَ طَلاَقًا رَجْعِيًّا لَهَا السُّكْنَى
وَالنَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ وَمَا يَلْزَمُهَا لِمَعِيشَتِهَا ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ
حَامِلاً أَمْ غير حامل ، لِبَقَاءِ آثَارِ الزَّوْجِيَّةِ مُدَّةَ الْعِدَّةِ ،
وهذا باتفاق أهل العلم ، كما سبق بيانه في الفتوى رقم : (139833)
.
وكذا يجب عليك أن توفيها كامل مهرها ، مقدمه ومؤخره ، فلا يجوز لك أن تأخذ منه شيئا
، قال تعالى : ( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ
إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ
بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا . وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ
إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) النساء/ 20، 21 ، ولا يجوز
لك أن تضيق عليها ، ولا أن تضارها لتتنازل لك عنه ، قال تعالى : (وَلَا
تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ
بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ)النساء/ 19 .
وفي كل حال ، سواء أكان من حقها طلب الطلاق للضرر ، أم لم يكن ذلك من حقها ، فلا
يجوز لها التحاكم إلى المحاكم الوضعية التي تحكم بما يخالف شرع الله ويضاد حكمه ،
إذ الواجب على المسلم أن يُحَكِّم شرعَ الله تعالى في جميع أحواله ، وما يحصِّله
الشخص من مال ، أو منفعة عن طريق هذه المحاكم ، خلافاً لما شرعه الله تعالى فهو سحت
، وحرام ، لا يحل له الانتفاع به .
وأما إذا ثبت لها حق شرعي ، وقضى لها به قاض يعلم شرع الله ، ويقضي به ، إلا أنه
ليس له سلطان لإلزام الخصم بما قضى به ، فلا حرج عليها ، أو على صاحب الحق أيا ما
كان ، في أن يترافع إلى المحاكم الوضعية ، ليستنقذ له حقه الشرعي ، ويلزم خصمه به .
وينظر للفائدة : الفتوى رقم : (114850).
وإن كان من نصيحة لنا في هذا المقام فإنا ننصحك أن تصلح ما بينك وبين زوجك ، وأن
تستوعب ما حدث بينكما من خلاف وشقاق ، فإن الرجل هو الذي يطالب بالصبر والتحمل ،
والتغافل والتغاضي ، إذ هو أكمل دينا وأوفر عقلا ، وننصحك بأن تتجنب ضربها مستقبلا
، خصوصا إذا ظهر لك أن الضرب سيؤدي إلى عكس المطلوب من زجرها وتأديبها ، إلى
الزيادة في التمرد والنشوز.
والله أعلم.
