الجواب :
الحمد لله
أولا :
روى عبد الله بن الإمام أحمد في ” زوائد المسند ” (21207) ، وعبد الرزاق في ”
المصنف ” (5990) ، وابن حبان في “صحيحه” (4428) ، والحاكم في “المستدرك” (8068) ،
والبيهقي في “السنن” (16911) ، وابن حزم في “المحلى” (12/175) من طريق عَاصِمِ بْنِ
بَهْدَلَةَ ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ : قَالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ” كَأَيِّنْ
تَقْرَأُ سُورَةَ الْأَحْزَابِ؟ أَوْ كَأَيِّنْ تَعُدُّهَا؟ ” قَالَ: قُلْتُ لَهُ:
ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ آيَةً ، فَقَالَ: قَطُّ ، لَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا
لَتُعَادِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، وَلَقَدْ قَرَأْنَا فِيهَا : ( الشَّيْخُ
وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللهِ
وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) .
قال ابن حزم رحمه الله :
” هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ كَالشَّمْسِ ، لَا مَغْمَزَ فِيهِ ” انتهى .
وقال ابن كثير رحمه الله :
” وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ ، وَهُوَ يَقْتَضِي أنه قد كَانَ فِيهَا قُرْآنٌ ثُمَّ
نُسِخَ لَفْظُهُ وَحُكْمُهُ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ” انتهى من “تفسير ابن
كثير” (6/335) .
وله شاهد يرويه عبد الله بن
أحمد في ” زوائد المسند” (21206) : حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ ، أَخْبَرَنَا
خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الطَّحَّانُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَاد ٍ، عَنْ
زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: ” كَمْ تَقْرَءُونَ سُورَةَ
الْأَحْزَابِ؟ ، قَالَ : بِضْعًا وَسَبْعِينَ آيَةً ، قَالَ: لَقَدْ قَرَأْتُهَا
مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ الْبَقَرَةِ ، أَوْ
أَكْثَرَ مِنْهَا، وَإِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ ” .
ويزيد بن أبي زياد ضعيف ، لكن لا بأس به في الشواهد .
فهذا يدل على أن سورة الأحزاب كانت سورة كبيرة كسورة البقرة ، ولكن نسخ معظمها.
وقد تقدم معنا في جواب
السؤال رقم : (105746)
: أن النسخ الواقع في القرآن يتنوع إلى أنواع ثلاثة : نسخ التلاوة والحكم معاً ،
ونسخ الحكم دون التلاوة ، ونسخ التلاوة دون الحكم .
وهذا النسخ الحاصل في سورة الأحزاب لهذا القدر الكبير من الآيات ، منه ما كان من
قبيل نسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم ، ومنه ما كان من قبيل نسخ التلاوة والحكم
معا – كما تقدم في كلام ابن كثير .
قال الزرقاني رحمه الله :
” وأما نسخ التلاوة دون الحكم : فيدل على وقوعه ما صحت روايته عن عمر بن الخطاب
وأبي بن كعب أنهما قالا : كان فيما أنزل من القرآن : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا
فارجموها ألبتة ) .
وأنت تعلم أن هذه الآية لم يعد لها وجود بين دفتي المصحف ، ولا على ألسنة القراء ،
مع أن حكمها باق على إحكامه لم يُنْسَخْ .
ويدل على وقوعه أيضا ما صح عن أبي بن كعب أنه قال : ” كانت سورة الأحزاب توازي سورة
البقرة أو أكثر ” … ” انتهى .
راجع لمزيد الفائدة جواب السؤال رقم : (110237)
.
ثانيا :
ما ذُكر في الأثر أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يقول إن المعوذتين ليستا من القرآن
، فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال :
أولا :
أنه لا يصح عنه ، قال ابن حزم رحمه الله :
” كُلُّ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ أَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَأُمَّ
الْقُرْآنِ لَمْ تَكُنْ فِي مُصْحَفِهِ : فَكَذِبٌ مَوْضُوعٌ لَا يَصِحُّ ؛
وَإِنَّمَا صَحَّتْ عَنْهُ قِرَاءَةُ عَاصِمٍ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنْ ابْنِ
مَسْعُودٍ ، وَفِيهَا أُمُّ الْقُرْآنِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ ” انتهى من “المحلى”
(1/ 32) .
وقال النووي رحمه الله :
” أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَالْفَاتِحَةَ
وَسَائِرَ السُّوَرِ الْمَكْتُوبَةِ فِي الْمُصْحَفِ قُرْآنٌ ، وَأَنَّ مَنْ جَحَدَ
شَيْئًا مِنْهُ كَفَرَ ، وَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْفَاتِحَةِ
وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ بَاطِلٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْهُ ” انتهى من “المجموع” (3/
396).
ثانيا :
أنه إنما أنكر إثباتهما في المصحف ، ولم ينكر كونهما من القرآن .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
” وَقَدْ تَأَوَّلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ فِي كِتَابِ
الِانْتِصَارِ وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مَا حُكِيَ عَنِ ابن مَسْعُود
فَقَالَ: لم يُنكر بن مَسْعُودٍ كَوْنَهُمَا مِنَ الْقُرْآنِ وَإِنَّمَا أَنْكَرَ
إِثْبَاتَهُمَا فِي الْمُصْحَفِ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ لَا يَكْتُبَ فِي
الْمُصْحَفِ شَيْئًا إِلَّا إِنْ كَانَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَذِنَ فِي كِتَابَتِهِ فِيهِ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْإِذْنُ
فِي ذَلِكَ . قَالَ : فَهَذَا تَأْوِيلٌ مِنْهُ ، وَلَيْسَ جَحْدًا لِكَوْنِهِمَا
قُرْآنًا .
وَهُوَ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ ؛ إِلَّا أَنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ
الَّتِي ذَكَرْتُهَا تَدْفَعُ ذَلِكَ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا : ” وَيَقُولُ إِنَّهُمَا
لَيْسَتَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ” نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ لَفْظِ كِتَابِ اللَّهِ
عَلَى الْمُصْحَفِ ، فَيَتَمَشَّى التَّأْوِيلُ الْمَذْكُورُ ” انتهى من “فتح
الباري” (8/ 743) .
ثالثا :
أنه كان ينكر أولا قرآنيتهما ، فلما تبين له أنهما من القرآن أثبتهما في مصحفه ورجع
عن قوله الأول ، قال الزرقاني رحمه الله :
” يحتمل أن إنكار ابن مسعود لقرآنية المعوذتين ، على فرض صحته , كان قبل علمه بذلك
، فلما تبين له قرآنيتهما ، بعدما تم التواتر ، وانعقد الإجماع على قرآنيتهما : كان
في مقدمة من آمن بأنهما من القرآن.
قال بعضهم: يحتمل أن ابن مسعود لم يسمع المعوذتين من النبي صلى الله عليه وسلم ،
ولم تتواترا عنده ، فتوقف في أمرهما، وإنما لم ينكر ذلك عليه لأنه كان بصدد البحث
والنظر ، والواجب عليه التثبت في هذا الأمر . أهـــ .
ولعل هذا الجواب هو الذي تستريح إليه النفس ، لأن قراءة عاصم عن ابن مسعود ثبت فيها
المعوذتان ، وهي صحيحة ونقلها عن ابن مسعود صحيح ، وكذلك إنكار ابن مسعود للمعوذتين
جاء من طريق : صححه ابن حجر. إذاَ فليحمل هذا الإنكار على أولى حالات ابن مسعود
جمعا بين الروايتين ” انتهى من”مناهل العرفان” (1/ 275-276) .
وينظر جواب السؤال رقم: (178209)
، ورقم : (174796)
.
والله تعالى أعلم .
