كيف كان طول لحية النبي محمد صلى الله عليه وسلم ؟
الجواب :
الحمد لله
أولا :
للتعرف على صفة لحيته الشريفة صلى الله عليه وسلم لا بد من الوقوف على جميع
الأحاديث الواردة في هذا الشأن ، وقد تبين لنا – بعد حصرها ودراستها – أن أكثرها لا
يثبت إسناده إلى الصحابة الكرام الذين وصفوا لحية النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما
القليل الصحيح فلم يشتمل على وصف دقيق مفصل ، وإنما على ذكر بعض الأوصاف ، وهذه
الأوصاف الثابتة هي : كثرة شعر اللحية ، وكثاثتها .
فعن
جابر بن سمرة رضي الله عنه قال :
(
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ … كَثِيرَ شَعْرِ
اللِّحْيَةِ )
رواه مسلم (رقم/2344)
وعَنْ الْبَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ :
(
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ … كَثَّ اللِّحْيَةِ
)
رواه النسائي (رقم/5232) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي “.
وورد أيضا هذا الوصف : ( كث اللحية ) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ”
مسند الإمام أحمد ” (2/102) طبعة مؤسسة الرسالة ، وحسنه المحققون .
وقد
استدل بعض أهل العلم بهذين الوصفين – كثرة الشعر والكثاثة – على أن لحيته الشريفة
عليه الصلاة والسلام لم تكن طويلة ؛ لأن الكثاثة تعني غزارة الشعر والتِفَافَه مِن
غير طول .
قال
أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله :
”
قوله : ( كث اللحية ) الكثوثة أن تكون اللحية غير دقيقة ، ولا طويلة ، ولكن فيها
كثاثة من غير عِظَمٍ ولا طول ” انتهى.
رواه عنه الطبراني في ” المعجم الكبير ” (22/159)
وقال الإمام أبو العباس القرطبي رحمه الله :
”
لا يفهم من هذا – يعني قوله ( كثير شعر اللحية ) – أنه كان طويلها ، فإنَّه قد صحَّ
أنه كان كثَّ اللحية ؛ أي : كثير شعرها غير طويلة ، وكان يخلل لحيته ” انتهى.
”
المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم ” (6/135)
وقال الإمام السيوطي رحمه الله :
”
كان كثير شعر اللحية ، أي : غزيرها ، مستديرها ” انتهى.
”
الشمائل الشريفة ” (ص/32)
ثانيا :
وأما وصف لحية النبي صلى الله عليه وسلم الكريمة بأنها ” عظيمة “، فهذا إنما ورد من
طريق شريك بن عبد الله النخعي ، عن عبد الملك بن عمير ، عن نافع بن جبير بن مطعم ،
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أَنَّهُ وَصَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :
(
كَانَ عَظِيمَ الْهَامَةِ ، أَبْيَضَ ، مُشْرَبًا حُمْرَةً ، عَظِيمَ اللِّحْيَةِ )
رواه أحمد في ” المسند ” (2/257) وغيره جميعهم من هذا الطريق ، وقد انفرد شريك بهذا
اللفظ عن غيره من رواة الحديث ، ومثله لا يقبل تفرده .
ورواه أحمد في ” المسند ” أيضا (2/344) من طريق شريك عن عبد الملك بن عمير ، بلفظ :
( ضخم اللحية )
وورد أيضا وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه كان ” ضخم الرأس واللحية ” مِن حديث عثمان
بن عبد الله – أو ابن مسلم – بن هرمز ، عن نافع بن جبير ، عن علي بن أبي طالب رضي
الله عنه قال : ( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه
وسلم …ضَخْمَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ )
رواه أحمد في ” المسند ” (2/143) طبعة مؤسسة الرسالة ، والضياء المقدسي في ”
المختارة ” (2/368)، وغيرهم .
وهذا إسناد ضعيف بسبب عثمان بن عبد الله بن هرمز ، قال فيه النسائي : ليس بذاك ،
انظر: ” تهذيب التهذيب ” (7/139)، وهو وإن توبع من رواة آخرين ، لكن المتابعة حاصلة
لأصل الحديث فقط ، وليس فيها هذا الوصف : ” ضخم الرأس واللحية “، بل إن رواية
الإمام الترمذي للحديث في ” الجامع ” (رقم/3637) من الطريق نفسها فيها وصف ” ضخم
الرأس “، دون قوله : ” واللحية “، مما يدل على اضطراب بعض رواة الحديث .
ثالثا :
وأما وصف لحيته صلى الله عليه وسلم بأنها كانت تملأ صدره الشريف عليه الصلاة
والسلام : فهذا لم نقف عليه مسندا مأثورا ، وإنما ذكره القاضي عياض رحمه الله من
غير إسناد ، ولا نسبةٍ إلى قائله .
يقول القاضي عياض رحمه الله :
”
كث اللحية تملأ صدره ” انتهى.
”
الشفا بتعريف حقوق المصطفى ” (1/20)
ويقول ابن حزم رحمه الله :
”
كث اللحية واسعها ” انتهى.
”
جوامع السيرة ” (ص/22)
رابعا :
ومن
الأحاديث الواردة في وصف لحية النبي صلى الله عليه وسلم الشريفة ما يرويه يزيد
الفارسي فيقول :
(
رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ زَمَنَ
ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : وَكَانَ يَزِيدُ يَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ ، قَالَ :
فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
كَانَ يَقُولُ : ” إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِي ،
فَمَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِي . فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ
لَنَا هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي رَأَيْتَ ؟
قَالَ : قُلْتُ : نَعَمْ ، رأَيْتُ رَجُلًا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ ، جِسْمُهُ
وَلَحْمُهُ أَسْمَرُ إِلَى
الْبَيَاضِ ، حَسَنُ الْمَضْحَكِ ، أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ ، جَمِيلُ دَوَائِرِ
الْوَجْهِ ، قَدْ مَلَأَتْ لِحْيَتُهُ مِنْ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ ، حَتَّى كَادَتْ
تَمْلَأُ نَحْرَهُ . قَالَ : فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْ رَأَيْتَهُ فِي
الْيَقَظَةِ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَنْعَتَهُ فَوْقَ هَذَا )
رواه أحمد في ” المسند ” (5/389) طبعة مؤسسة الرسالة .
وهذا الحديث يختلف حكمه بسبب الاختلاف في يزيد الفارسي ، فذهب علي بن المديني وأحمد
بن حنبل إلى أنه هو نفسه يزيد بن هرمز الثقة ، وذهب يحيى القطان ورجحه أكثر
المتأخرين إلى أنه يزيد آخر في عداد المجهولين ، ولكن لعل الحكم عليه بالجهالة لا
يتوافق مع ما ذهب إليه أبو حاتم في ” الجرح والتعديل ” (9/293) من قوله فيه : لا
بأس به ، رغم ترجيح أبي حاتم أنهما راويان مختلفان . وباقي الإسناد رواته ثقات .
والشاهد في الحديث قوله : ( قَدْ مَلَأَتْ لِحْيَتُهُ مِنْ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ ،
حَتَّى كَادَتْ تَمْلَأُ نَحْرَهُ ) فقد جاء في رواية ابن أبي شيبة في ” المصنف ”
(6/328) – وأشار بيده إلى صدغيه – يعني أن لحيته الشريفة عليه الصلاة والسلام لم
تكن طويلة تملأ صدره ، بل تكاد تملأ نحره ، والنحر هو أعلى الصدر ، وهذا يدل على
اعتدال طولها وتوسطه .
وأما حكم الأخذ من اللحية ، فقد سبق بيانه في جواب رقم :
(48960) ،
(137251) ،
(145512)
والله أعلم .
