أنا أعاني من مشكله الفراغ الشديد ، وبسبب الفراغ بدأت أصاب بحالة غريبة ، فقد بدأت عباداتي تقل بشكل ملحوظ ، ليس لسبب شيء يشغلني بل بسبب ما أصابني من اكتئاب ، فأنا أحفظ القرآن على يد محفظة ، ولكن مازلت في جزء عم ، وأحفظ المطلوب منى ، ويظل لدي وقت فراغ قاتل ولكي أتخلص من حالة الاكتئاب أفتح التلفزيون ، ولكن أنا أكرهه ولا أرغب في مشاهدته ، ولكني الآن أجلس أمامه أكثر من 10 ساعات ، هل تصدق 10 ساعات ؟ وأنا من كنت لا أجلس أمامه إلا قليلا لا أدري !! من فضلك انصحني ماذا أفعل لقتل الفراغ .

الحمد لله

نعمة الوقت من النعم العظيمة التي امتن الله بها على عباده ، حتى
أقسم الله تعالى ببعض الوقت فقال تعالى : ( وَالْعَصْرِ ) ، لأهمية هذا الوقت
وبركته ، وقد قال النبي – صلى الله عليه وسم – : ( اغتنم خمسا قبل خمس حياتك قبل
موتك وصحتك قبل سقمك وفراغك قبل شغلك وشبابك قبل هرمك وغناك قبل فقرك ) انظر
صحيح الجامع برقم (1077) .

ولما كان أكثر الناس جاهلين بقدر هذه النعمة ، غافلين عما يجب
عليهم نحوها من عمارتها بشكر الله وطاعته ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (
نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ )
رواه البخاري (6412)

والمغبون هو الخاسر في بيعه أو شرائه .

وَقَالَ الطِّيبِيُّ : ” ضَرَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُكَلَّفِ مَثَلا بِالتَّاجِرِ الَّذِي لَهُ رَأْس مَال ,
فَهُوَ يَبْتَغِي الرِّبْح مَعَ سَلامَة رَأْس الْمَال , فَطَرِيقه فِي ذَلِكَ أَنْ
يَتَحَرَّى فِيمَنْ يُعَامِلهُ وَيَلْزَم الصِّدْق وَالْحِذْق لِئَلا يُغْبَن ,
فَالصِّحَّة وَالْفَرَاغ رَأْس الْمَال , وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَامِل اللَّه
بِالإِيمَانِ , وَمُجَاهَدَة النَّفْس وَعَدُوّ الدِّين , لِيَرْبَح خَيْرَيْ
الدُّنْيَا وَالآخِرَة وَقَرِيب مِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى ( هَلْ أَدُلّكُمْ
عَلَى تِجَارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم ) الآيَات .
وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِب مُطَاوَعَة النَّفْس وَمُعَامَلَة الشَّيْطَان لِئَلا
يُضَيِّع رَأْس مَاله مَعَ الرِّبْح ”

فتح الباري لابن حجر

وإذا كان الوقت بهذه المنزلة ، فإنه لا ينبغي للمسلم أن يكون
عنده وقت للفراغ ، لأنه يتقلب من طاعة إلى طاعة ، فإن لم يخرج من طاعة إلى أختها ،
فإنه يخرج إلى المباح .

وينبغي أن يصلح فيه نيته ، ليكون له فيه أجر . كما قال معاذ رضي
الله عنه : أما أنا فأقوم وأنام ، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي ” رواه
البخاري (6923) ومسلم (1854)

والمشكلة التي تعاني منها الأخت سببها عدة أشياء :

أولا :

أنها لا تعرف قيمة الوقت ، وهذا حال أكثر الناس كما سبق ، بل
الأدهى من ذلك أن هذه النعمة العظيمة ، بإهمالها ، والتفريط فيها ، صارت فراغاً
مدمراً ، فاعتبرته عدواً لها ، فهي ” تقتله ” ولم تدر أنها تقتل نفسها .

ثانيا :

أنها تحس بالاكتئاب ، ولا شك أن إهدار الوقت ، وإضاعة الحياة
تسبب اكتئابا شديدا لدى الإنسان ، لأنه يحس أنه مثل الدابة التي تأكل لتنام ، وتنام
لتأكل ، ولهذا نرى كثيرا من أهل الكفر ينهون حياتهم بالانتحار ، بعد إصابتهم
بالاكتئاب والأمراض المستعصية ، عافانا الله مما ابتلاهم به ، كما أن من أول وأهم
أسباب الاكتئاب معصية الله عز وجل ، ولا شك أن إضاعة الوقت في النظر لجهاز التلفاز
يؤدي بالإنسان إلى ارتكاب المعصية ، من النظر المحرم ، وسماع المحرم ، وتضييع الوقت
، وغير ذلك مما يسببه هذا الجهاز المفسد ، والفوائد التي تجنيها الأخت في جلوسها في
حلقة تحفيظ القرآن الكريم تذهب كثير منها أو كلها بجلوسها أمام التلفاز ، فكما أن
الحسنات يذهبن السيئات ، فذلك السيئات تضيع الحسنات .

[ يمكن الرجوع إلى
قسم الكتب في الموقع ، ففي
علاج الهموم ” تفصيل أكثر لأسباب
الهموم وكيفية التغلب عليها ، وفي ”
أخطار تهدد البيوت
” إشارة إلى بعض الآثار المدمرة لجهاز التلفاز .

ثالثا :

أنها تستسلم كثيرا لنفسها في مسألة الوقت ، فليس لديها من العزم
ما يقويها على ملء وقتها بما هو مفيد .

ولحل مثل تلك المشكلة ، فإنه يجب على الأخت الفاضلة الحرص على
النقاط التالية :

1. العبادات من الأذكار والأوراد والصلوات وتلاوة القرآن والصيام
والتفكّر في آيات الله وآلائه .

2. بخصوص القرآن الكريم ، وقد أشارت السائلة إلى أنها تحفظ
المطلوب منها ، ثم يبقى عندها من الفراغ ما تقتله بالتلفاز ، فلِمَ لا تحييه بذكر
الله ، والاجتهاد في تلاوة القرآن ، والزيادة في القدر المحفوظ حتى تكمل حفظه ، قبل
أن تنشغل بأعباء الحياة ، إن كل حرف بحسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، إن كل آية هي
رِفْعَة وزيادة ، هي رقي وكمال ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( اقْرَأْ وَارْتَقِ
وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ
آيَةٍ تَقْرَؤُهَا ) رواه أبو داود (1464) وصححه الألباني في الصحيحة (2240)

3. تبني قضية من قضايا المسلمات في البلد الذي تعيش فيه ،
كالمساهمة في تدريس البنات المسلمات ودعم المشاريع الخيرية ونحو ذلك .

4. الرفقة الصالحة باجتماعاتها والجيرة الطيبة بزياراتها .

5. القراءة في الكتب الإسلامية خاصة والقصص المفيدة عامة .

6. الانخراط في مجال الدعوة والأنشطة النسائية ورياض الأطفال في
المراكز الإسلامية.

7. سماع الأشرطة والمحاضرات وتلخيصها وتوزيع الملخّص على من
يستفيد منه .

8. تعلم بعض العلوم الدنيوية المفيدة من طبخ وخياطة ونحو ذلك .

9. اتخاذ الكمبيوتر والبرامج المفيدة وهو حقل واسع وبحر كبير
يأخذ وقتا طويلا ويُمكن استثماره في عمل كثير من الأشياء الطيبة والمفيدة ، وهذا
يغني عن الجلوس أمام شاشة التلفاز التي لا تسمن ولا تغني من جوع ، وتضر أكثر مما
تنفع .

وينبغي عليك مطالعة بعض الكتب التي تتكلم عن أهمية الوقت وكيفية
تنظيمه ، وسماع بعض المحاضرات النافعة في ذلك .

وفقنا الله وإياك لكل خير .

وللمزيد مراجعة الأسئلة (
2267
) ( 3619 ) (
26869 ) (
36546 ) .